ويعزم له عليه ، وينهى عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتابا جامعا لرجونا أن يجعل اللّه هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطإ حكما واحدا صوابا .
ورجونا أن يكون اجتماع السير قربة لإجماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه ثم يكون ذلك من إمام آخر الدّهر إن شاء اللّه .
فأما اختلاف الأحكام : إما شيء مأثور « 1 » عن السّلف غير مجمع عليه يدبره قوم على وجه ، ويدبره آخرون على وجه فينظر فيه إلى أحقّ الفريقين بالتّصديق وأشبه الأمرين بالعدل .
وإما رأي أجراه أهله على القياس فاختلف وانتشر بغلط في أصل المقايسة وابتدأ أمر على غير مثاله .
وإما لطول ملازمته القياس فإنّ من أراد أن يلزم القياس ولا يفارقه أبدا في أمر الدّين والحكم وقع في الورطات ومضى على الشّبهات « 2 » وغمض على القبيح الذي يعرفه ويبصره فأبى أن يتركه كراهة ترك القياس .
وإنما القياس دليل يستدلّ به على المحاسن ، فإذا كان ما يقود إليه حسنا معروفا أخذ به ، وإذا قاد إلى القبيح المستنكر ترك لأنّ المبتغي ليس غير القياس يبغي ولكنّ محاسن الأمور ومعروفها وما ألحق الحقّ بأهله .
ولو أنّ شيئا مستقيما على النّاس ومنقادا حيث قيد لكان الصدق هو ذلك . . ولا يعتبر بالمقايس فإنه لو أراد أن يقوده الصدق لم ينقد له .
وذلك أن رجلا لو قال : أتأمرني أن أصدق فلا أكذب كذبة أبدا ؟ لكان جوابه أن تقول نعم .
ثمّ لو التمس منه قول ذلك فقال : أتصدق في كذا وكذا ؟ حتّى يبلغ به أن يقول الصدق في رجل هارب استدلّني عليه طالب ليظلمه فيقتله لكسر عليه قياسه وكان الرأي له أن يترك ذلك وينصرف إلى المجمع عليه المعروف المستحسن .
هامش
( 1 ) المأثور من الكلام : المنقول والمتوارث .
( 2 ) الشبهات : جمع شبهة وهي الالتباس ، وكل ما يلتبس فيه الحق بالباطل والحلال بالحرام .