الثنوية القائلة بوجود أصلين للعالم هما النور والظلمة .
وفي رأي صاحب الفهرست الزنادقة هم أصحاب ماني اتباع « زند » وهو أحد كتبهم المقدّسة واستنادا إلى هذه الدلالة ، لا تعني اللفظة شيئا من الإلحاد أو الكفر .
ولكنّ الكلمة استعملت في الإسلام بمعان متعدّدة وأطلقت على فئات ثلاث :
فئة الماجنين الذين أسرفوا في اللهو والعبث ، وتساهلوا في شؤون العقيدة الدينية ، وأغلب هؤلاء من الشعراء الذين جهروا بالدعوة إلى ملاذ العيش ونبذ التقاليد وخرجوا عن حدود المحافظة . ومثل هذه الطائفة لم تتهم بالكفر إلا نادرا ، إذ كان نعتها بالزندقة وصفا لها بالظرف والدعابة .
على أن بعض هؤلاء أوغلوا في سخريتهم بالفرائض والتعاليم فتعقبهم المسؤولون وأمعنوا فيهم اضطهادا .
وهناك معنى آخر للزندقة ، ولعلّه المعنى الأصلي ، وكان يطلق على المانويين وغيرهم من المجوس الذين استمروا على مذاهبهم ورفضوا الدخول في الإسلام .
وأما الزنادقة الذين لحقتهم تهمة الكفر ، ولاحقتهم السلطة الحاكمة - وخاصة زمن العباسيين - فهم الذين اعتنقوا الإسلام على غير إيمان صحيح ، واتّخذوه وسيلة للتقرب من أصحاب الدولة والسلطان . في حين استمروا باطنا على عقائدهم السابقة ومجوسيّتهم .
وهذه الضروب من الزندقة كانت متفشّية في العصر العباسي ، لا سيما بعد أن نقل الفرس ، ومنهم ابن المقفع ، تعاليم المجوسية من زردشتيّة ومانويّة ومزدكيّة إلى العربيّة ، وراحوا يروّجون لها ، حقدا على الإسلام الذي قوّض ملكهم وقضى على دولتهم .
وقد نشط الخلفاء العباسيون لمحاربة الزندقة والقضاء على الزنادقة ، غيرة على الدين في جانب ، ولأغراض سياسية ، في جانب أخر . ومع أن أبا جعفر المنصور لم يحمل بشدّة على هذه الفئة ، إلا أنه لم يتردد عن اتخاذ الزندقة أداة اتهام خطيرة ، لتبرير قضائه على بعض الشخصيات التي لا تتفق وسياسته . ويذكر المؤرخون أمثال أبي الفرج « 1 » والطبري « 2 » أن المهدي أول من خصّ رجلا
هامش
( 1 ) انظر الأغاني : لأبي الفرج .
( 2 ) تاريخ الطبري .