للاقتداء بالصّالحين ووفّق للأخذ عن الحكماء ، فلا عليه ألا يزداد فقد بلغ الغاية ، وليس بناقضه ، في رأيه ولا بغائضه « 1 » من حقّه ألا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه وإنّما إحياء العقل الذي يتم به ويستحكم « 2 » خصال ستّ :
الإيثار بالمحبة ، والمبالغة في الطّلب ، والتثبّت في الاختيار ، والاعتقاد للخير . وحسن الوعي ، والتّعهد لما اختير واعتقد ، ووضع ذلك موضعه قولا وعملا .
أما المحبّة فإنّما يبلغ المرء مبلغ الفضل في كلّ شيء من أمر الدّنيا والآخرة حين يؤثر بمحبته فلا يكون شيء أمرأ ولا أحلى عنده منه .
وأما الطلب فإنّ النّاس لا يغنيهم حبّهم ما يحبّون وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه ولا يدرك لهم بغيتهم نفاستها في أنفسهم دون الجدّ والعمل .
وأما التثبّت والتخيّر فإنّ الطلب لا ينفع إلا معه وبه ، فكم من طالب رشد وجده والغيّ معا . . . فاصطفى منهما الذي منه هرب وألغى الذي إليه سعى .
فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد وهو لا يشكّ بالظّفر فما أحقّه بشدّة التبيّن وحسن الابتغاء .
وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته .
وأما الحفظ والتعهّد فهو تمام الدرك لأن الإنسان موكل به النّسيان والغفلة « 3 » فلا بدّ له إذا اجتبى صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته .
وأما البصر بالموضع فإنّما تصير المنافع كلّها إلى وضع الأشياء مواضعها ، وبنا إلى هذا كلّه حاجة شديدة فإنّنا لم نوضع في الدنيا موضع
هامش
( 1 ) غاض من حقّه : بخسه وأنزل به الغبن والإجحاف .
( 2 ) يستحكم : يترسخ ويصبح محكما .
( 3 ) الغفلة : السهو والإهمال .