. . . . . . . . . .
شرح
عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وإنه لذنب ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيلسَمِعْنا وَعَصَيْنا *فقولواسَمِعْنا وَأَطَعْنا *فقالوا :
سمعنا وأطعنا واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى : "لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها" فنسخت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعلموا أو تكلموا به .
واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله : "إِنْ تُبْدُوا" يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب ولا يتمكن من رفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
الأول : أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك بل يكون أمورا خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن نفسه ، فالقسم الأول يكون مؤاخذا به ، والثاني لا يكون مؤاخذا به ، ألا ترى إلى قوله تعالى :
"لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ« 1 » " وقال في آخر هذه السورة "لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ" وقال : "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ« 2 » " هذا هو الجواب المعتمد .
الوجه الثاني : أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو ، وقوله : "وَإِنْ تُبْدُوا" إلخ ، فالمراد منه أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا أو على سبيل الخفية ، وأما ما يوجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو ، وهذا الجواب ضعيف لأن أكثر المؤاخذات إنما يكون
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 225 .
( 2 ) سورة النور : 19 .