تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
« 1 »
شرح
فيه من قولهم : نكت الأرض بالقضيب إذا أثر فيها ، وسمي اليقين بالنور إذ به يظهر حقائق الأشياء على النفس ، وفتح مسامع القلب كناية عن تهيئة لقبول ما يرد عليه من المعارف " ووكل به ملك يسدده " ويلهمه الحق ، ويدفع عنه استيلاء الشيطان بالشبهات ، " وإذا أراد بعبد سوءا " أي منع لطفه لعدم استحقاقه " نكت في قلبه " أي يخليه والشيطان ، فينكت الشيطان في قلبه نكتة سوداء من الجهالة والضلالة ، وما يصير سببا لعدم قبول الحق وسد مسامع قلبه ، أي لا يوفقه لقبول الحق ولا يفعل به ما فعل بمن استحق الألطاف الخاصة ، فكأنه سبحانه سد مسامع قلبه ، وهو مثل قوله سبحانه : "خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ« 2 » " " ووكل به شيطانا " أي يخلي بينه وبين الشيطان لعدم قبوله هداية الرحمن ، وإعراضه عن الحق بعد البيان .
قوله تعالى "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ" قال البيضاوي : أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان "يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ" فيتسع له ويفسح ما فيه مجالة وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها ، مصفاة عما يمنعه وينافيه "وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" بحيث ينبو « 3 » عن قبول الحق ، فلا يدخله الإيمان "كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ" شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة .
وقال الطبرسي : قد ذكر في تأويل الآية وجوه : " أحدهما " أن معناه من يرد الله أن يهديه إلى الثواب وطريق الجنة يشرح صدره في الدنيا للإسلام ، بأن يثبت عزمه عليه ويقوي دواعيه على التمسك ، ويزيل عن قلبه وساوس الشيطان ، وإنما يفعل ذلك لطفا ومنا عليه وثوابا على اهتدائه بهدي الله ، وقبوله إياه ونظيره قوله سبحانه
هامش
( 1 ) - سورة الأنعام : 125 .
( 2 ) - سورة البقرة : 7 .
( 3 ) - نبا الطبع عن الشيء : نفر ولم يقبله .