لَمْ تَخْلُقْ عِبَادَكَ لِفَاقَةٍ وَلَا كَلَّفْتَهُمْ إِلَّا دُونَ الطَّاقَةِ وَإِنَّكَ ابْتَدَأْتَهُمْ بِالنِّعَمِ رَحِيماً وَعَرَّضْتَهُمْ لِلِاسْتِحْقَاقِ حَكِيماً فَأَكْمَلْتَ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ عَقْلَهُ وَأَوْضَحْتَ لَهُ سَبِيلَهُ وَلَمْ تُكَلِّفْ مَعَ عَدَمِ الْجَوَارِحِ مَا لَا يُبْلَغُ إِلَّا بِهَا وَلَا مَعَ عَدَمِ
شرح
ردا على المجبرة القائلة بعدم العلة وقوله « لطيف لما شئت » أي أقول إنك تفعل الأفعال المقربة لعبادك إلى طاعتك المبعدة إياهم عن معصيتك ، وجوبا في البعض وتفضلا في الآخر ، من إرسال الرسل وإنزال الكتب والتكاليف وغيرها من الألطاف الخاصة . « لم تخلق عبادك لفاقة » رد لشبهتهم أنه « 1 » ، لو كان معللا بالغرض لزم النقص ، والاستكمال ، بأنه « 2 » لا يرجع الكمال إليه تعالى بل إلينا ، وقوله « ولا كلفتهم إلا دون الطاقة » رد على الأشعرية القائلة بجواز تكليف ما لا يطاق بل بوقوعه ، بناء على عدم قدرة العبد مع تكليفه تعالى بالأوامر والنواهي ، بل قال إنه تعالى لم يكلف إلا أقل من الطاقة بكثير ، فإنه مع قدرته على صلاة ألف ركعة بل أكثر في كل يوم وليلة كلفه بسبع عشرة ركعة وكذا في باقي العبادات والنواهي وقوله « وإنك ابتدأتهم إلخ » أي أقول : إن خلق العالم سيما الإنسان نشأ من محض رحمة وجوده تعالى كما قال تعالى( الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ )« 3 » وقوله « وعرضتهم إلخ » يعني أن الحكمة اقتضت تعريضهم لاستحقاق الرحمة والثواب ، فإنه النفع المقارن للتعظيم والإجلال ويقبح بدون الاستحقاق بسبب الأعمال .
ولما لم يمكن التكليف إلا بإكمال الآلات وأعظمها العقل بل هو المخاطب والمعاتب والمثاب والمعاقب قال « فأكملت لكل مكلف عقله » وهذا الإكمال هو التكليفي الذي يحصل غالبا قبل البلوغ بالتدريج « وأوضحت له سبيله » الخير والشر كما قال تعالىوَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ« 4 » ولما كان العقل غير مستقل في جميع الأمور وإن عرف بعض
هامش
( 1 ) بيان لشبهتهم
( 2 ) بيان لرد شبهتهم
( 3 ) الرحمن 1 - 2 - 3
( 4 ) البلد - 9