إلا أن الصلاة كانت في البداية صلاة مطلقة بالغداة والعشي ، فما فرضت عليهم بعددها في اليوم والليلة وركعاتها وأشكالها إلا قبل الهجرة بسنة . وعرف المسلمون في أول أمرهم أنواعا من الصدقة والصيام ولكن مقادير الزكاة وشروط الصيام لم تفرض إلا بعد الهجرة بسنة ، فهذا كله من مرانة الإسلام ويسره وسماحته :
إذ قال اللّه :
« ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ »
« 1 » ، وقال :
« يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »
« 2 » ، فما يريد اللّه أن يشق على عباده وإنما يأخذهم بالرفق ، وينهاهم عن كثرة السؤال لئلا يبدو لهم ما يكرهون من جديد التكاليف :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ، وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ، عَفَا اللَّهُ عَنْها »
« 3 » .
وإذا سلك هذا كلّه في باب « تأخير البيان لوقت الحاجة » ولم يكن من التدريج في شيء ، فإن انطباق هذا الحكم على السطحيات المنزلقة إلى أنفس الأفراد أو إلى أنفس المجتمعات أولى وأجدر . ومن هنا لم يدع داع إلى التدرج في تحريم الزنى ولا القتل ولا السرقة ولا أكل أموال الناس بالباطل .
إنما يكون التدرج في النوازل القرآنية إذن في مثل الخمر والميسر من العادات الشعورية أو الأمراض النفسية ، وفي مثل استرقاق الأسرى من التقاليد الاجتماعية والأعراف الدولية .
وحسبنا - على سبيل المثال - أن نمر مرورا خاطفا بالتحريم القرآني المتدرج للعادة الشعورية الخطيرة المسماة « بإدمان المسكرات » : فقد نزل في أمرها أول ما نزل قوله تعالى :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
« 4 » فوجّه أنظار السكارى إلى أن الحرمة إنما تقوم على غلبة الشر ، فمهما يكن في الخمر من منافع
هامش
( 1 ) الحج 78 .
( 2 ) البقرة 185 .
( 3 ) المائدة 104 . وقارن بأسباب النزول للواحدي 157 .
( 4 ) البقرة . وانظر في تفسير المنار 2 / 219 و 7 / 49 الحكمة في تحريم الخمر على مراحل .