أموال الناس بالباطل ومختلف ضروب الغش في المعاملات نظرته إلى الزنى ، فحرّمها مرة واحدة تحريما قاطعا لا تساهل فيه .
وإذا صحّ أن التعبير عن تحريم أكثر هذه الأشياء إنما ورد في الكتاب متأخرا ، وأن أكثرها وقع تحريمه في المدينة بعد هجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم إليها ، فلا يصح القول - على وجه الاطلاق والتعميم - بتدرج التحريم على مراحل في هذه الشؤون : فكما حرّم اللّه الزنى في لهجة قاطعة فقال :
« وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا »
حرم القتل في خطوة جازمة فقال :
« وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً »
« 1 » ، وحرّم السرقة يوم قضت حكمته أن يعبّر عن تحريمها في أسلوب صارم فقال :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ »
« 2 » .
وبمثل هذه الصرامة حرّم اغتصاب أموال الناس بغير حق فقال :
« وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
« 3 » . وكل لون من ألوان الغش في المعاملات إنما جاء تحريمه في الكتاب بهذه الصيغ الجازمة ، فإن لم يكن في الكتاب ففي السنّة المطهرة .
والإسلام مهما يبد حريصا على تدرج التشريع وتنجيم النوازل القرآنية لا يسمح قط بالخلط بين تأخير البيان لوقت الحاجة وبين تدرج التشريع ، فلقد أخر اللّه بيان أحكام كثيرة من حلال وحرام ، ومن أوامر ونواه ، ولكنه حين أراد بيانها أمضى أمره فيها مرة واحدة ، ولم يدع فيها للتدريج مجالا ، وعلم المؤمنين بهذا سرعة الاستجابة للأوامر الدينية وأعدهم به لتحمل التكاليف الشرعيّة : ففي أول أمرهم كلفهم بالصلاة والصدقة والصيام ،
هامش
( 1 ) النساء 92 .
( 2 ) المائدة 41 .
( 3 ) البقرة 188 .