« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ »
« 1 » ، ونهاه عن هذه العجلة التي لا مسوّغ لها فقال :
« وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
« 2 » .
ومن يتل الآيات القرآنية التي تصور رسول اللّه إنسانا ضعيفا بين يدي اللّه ، يستمد منه العون ، ويستهديه ويستغفره ، ويصدع بما يأمره به وأحيانا يتلقى العتاب الشديد ، يجد في أعماق قلبه من الفيض الوجداني ما يحمله على الاقتناع بالفرق الذي لا يتناهى بين صفة الخالق وصفة المخلوق ، وبين ذات الخالق وذات المخلوق ، وبين أسلوب الخالق وأسلوب المخلوق .
إن صورة محمد صلى اللّه عليه وسلم في القرآن هي صورة العبد المطيع ، الذي يخاف عذاب ربه إن عصاه ، فيلتزم حدوده ، ويرجو رحمته ، ويعترف بعجزه المطلق عن تبديل حرف من كتاب اللّه :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ ، قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ ، إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ »
« 3 » .
وفي معنى هذه الآيات المفرقة بين صفة الخالق وصفة المخلوق ، ما يتكرر في القرآن كثيرا من التصريح بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم بشر مثل سائر البشر ، ليس عليه إلا البلاغ ، ولا يملك خزائن اللّه ولا يعلم الغيب ، ولا يزعم لنفسه صفة ملكية تغاير صفة الإنسان وخلقه :
« قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ »
« 4 » ،
« قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ »
« 5 » ،
هامش
( 1 ) القيامة 16 - 19 .
( 2 ) طه 114 .
( 3 ) يونس 15 - 16 .
( 4 ) الكهف 110 .
( 5 ) الأعراف 118 .