ومنه الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيماء ، كما في قوله عن زكريا
« فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا »
« 1 » ، والمعروف في تفسيرها أن زكريا أشار إليهم إشارة وحيّة سريعة ولم يتكلم .
ومنه الإيماء بالجوارح ، وعليه قول الشاعر :
نظرت إليها نظرة فتحيرت * دقائق فكري في بديع صفاتها
فأوحى إليها الطرف أني أحبها * فأثّر ذاك الوحي في وجناتها « 2 »
وعبر القرآن بالوحي عن وسواس الشيطان وتزيينه خواطر الشر للإنسان ، فقال :
« وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً »
« 3 » ، وقال :
« وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ »
« 4 » مثلما عبّر بالوحي أيضا عما يلقيه اللّه إلى الملائكة من أمره ليفعلوه من فورهم ، كقوله :
« إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا »
« 5 » .
أما تعبيره بالوحي عما يكلف اللّه الملك حمله إلى النبي من آيات كتبه المنزلة فهو شديد الصلة بتعبيره بالوحي إلى النبي نفسه ؛ وما بين مدلولي التعبير من اختلاف لا يعدو الوظيفة التي يتحملها ملك الوحي بالنقل الأمين ، ويتحملها النبي بالوعي والحفظ والتبليغ . من ذلك قوله تعالى :
« فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى »
« 6 » : إذ المراد أن اللّه أوحى إلى عبده جبريل ملك الوحي الأمين ، ما أوحاه جبريل إلى محمد خاتم النبيين ، ومدلول الوحي إذن في هذه الآية كمدلول التنزيل الصريح في الآية الأخرى في قوله :
« وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ »
« 7 » .
هامش
( 1 ) مريم 11 .
( 2 ) قارن بمفردات الراغب الأصفهاني .
( 3 ) الأنعام 112 .
( 4 ) الأنعام 121 .
( 5 ) الأنفال 12 .
( 6 ) النجم 10 .
( 7 ) الشعراء 192 - 195 .