والميقات يجمع شتات الناس في همّ واحد ، واهتمام واحد ، وزيّ واحد ، وطريق واحد .
و « التلبية » هي وسيلة هذا التوحيد ، وفي الوقت نفسه توجّه هذا الحشد البشري الهائل الواحد إلى الله الواحد القهّار .
فهي توحّد الإنسان ( الفرد ) وتوجهه إلى الله .
وتوحّد الناس ( المجتمع ) وتوجّههم إلى الله .
وهذا التحول العظيم يجري في « الميقات » بفعل « التلبية » و « الميقات » ، و « الحرم » وعاء هذا التحول ، و « التلبية » عامل هذا التحول .
وغاية الحجّ أن تتحوّل ساحة الحياة كلّها إلى « الميقات » و « الحرم » ، ويكون لكلمة « لا إله إلّا الله » في ساحة الحياة الواسعة نفس الفعل والدور الذي يكون لكلمة « التلبية » في الحج ، وأن ينقل الحجّاج « الحرم » إلى واقع حياتهم في « السوق » .
ومن بؤس الناس وشقائهم أنّهم ينقلون « السوق » إلى « الحرم » ، بخلاف ما يريده الله تعالى .
إنّ « التلبية » تعيدُ بناء الفرد والمجتمع .
وهذا البناء يتمّ على صعيدين :
توجيه الناس إلى الاستجابة لله تعالى ، وهو البُعد الأوّل .
وتوحيد الناس بهذا الاتجاه ، وهو البُعد الثاني .
والبُعد الأول يوحّد شتات هموم الإنسان واهتماماته ، والبُعد الثاني يوحّد شتات مذاهب الناس ومصالحهم وأعمالهم .
ويحبّ الله تعالى أن ينقل الحجاج هذه « الوحدانية الموجّهة » إلى حياتهم في الأسواق ، وفي مواقع الحكم والسياسة ، وساحات الصراع . . . ومن عجب أنّ الناس
في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة ) — صفحة 83
مساهمون: الشيخ محمد مهدي الآصفي
ص٨٣