بل يظهر من قوله سبحانه :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » أنّ دائرة الشرك في الربوبية أوسع ، بل تشتمل ما إذا دفع الإنسان زمام التشريع والتقنين إلى يد الأحبار والرهبان ، فهذا أيضاً شرك في الربوبية فالله سبحانه له الحقّ في التشريع وحده دون غيره .
روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول الله ( ص ) وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال لي : يا عدي ، اطرح هذا الوثن من عنقك ، قال : فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً
« 2 » حتى فرغ منها ، فقلت له : إنّا لسنا نعبدهم ، فقال : أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ، ويحلّون ما أحلّ الله فتستحلّونه ؟ قال : فقلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم . « 3 »
إنّ القرآن الكريم يركّز على التوحيد في الربوبية أكثر ممّا يركّز على التوحيد في الخالقية ، فكأنّ الأمر الثاني كان مسلّماً بين مشركي عصر الرسالة ، دون الأوّل ؛ ولذلك ترى أنّه سبحانه يقيم عليه البرهان العقلي الذي يعرفه العقل الحصيف ويقول :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
« 4 » ، ويقول في آية أُخرى :
وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
« 5 » فإنّ تقرير البرهان في هاتين الآيتين مبني على وحدة التدبير وتعدّده .
وإن شئت قلت : وحدة المدبّر وتعدّده . فلو لم يكن الشرك في التدبير متفشّياً في القوم لما ركّز القرآن الكريم على ذلك .
وأمّا تقرير البرهان في كلتا الآيتين على وجه التفصيل فموكول إلى محلّه .
إنّ الله سبحانه يردّ على المشركين بأنّ عليهم ابتغاء الرزق من الله سبحانه ويقول :
إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا
هامش
( 1 ) . التوبة ، آية 30 .
( 2 ) . التوبة ، آية 31 .
( 3 ) . الطبرسي ، مجمع البيان ، ج 5 ، ص 44 .
( 4 ) . الأنبياء ، آية 22 .
( 5 ) . المؤمنون ، آية 91 .