5 . إنّهم قالوا : حسبنا كتابُ الله ، وهذا إقرار منهم باستبعاد السّنّة النّبويّة الشّريفة عن التّداول ، مع أنّ الله تعالى يقول لهم :
« وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا »
« 1 » وثبت عندهم حديث الثّقلين بصيغة « كتاب الله وسنّتي » . « 2 » مع أنّ القرآن فيه بيان كلّ شىءٍ بلا ريب ، لكن إنّما يعرف القرآن من خوطب به وكلّ شىءٍ أصله في الكتاب ولكن لا تدركه عقول الرّجال من سائر النّاس ، بل لابدّ من أن يرجعوا إلى من يفسّره لهم ، وهم خصوص النّبيّ الأكرم ( ص ) ، ثمّ الأئمّة الطّاهرون عليهم السّلام من بعده ، العارفون بتنزيله وبتأويله ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، فلا أحد يستطيع استخراج حقايقه سواهم . وكيف يمكن لعمر ، أو لغير عمر أن يعرف عدد ركعات الصّلاة اليوميّة وشرايط الاعتكاف في المساجد ، وسائر الأحكام الفرعيّة من القرآن الكريم إلّا بدلالة مَن عنده أمّ الكتاب .
على أنّ الوقائع قد بيّنت عدم معرفتهم لمعني الأبّ وعدم معرفتهم بالكلالة وبأمور كثيرة أخرى نطق بها القرآن .
لماذا يريد النّبيّ ( ص ) الكتابة ؟
وقد يسئل سائلٌ عن السّبب في لجوء النّبيّ ( ص ) إلى كتابة الكتاب ؟ ألم يكن يكفيه ما جرى في يوم الغدير من البيعة والتّهنئة لعلي ( ع ) بمقام الولاية ؟ ونجيب :
أوّلًا ؛ إنّ نفس ما جرى في مرض موته ( ص ) من جرأةٍ وإباءٍ وإصرارٍ على عدم تمكينه من كتابة الكتاب يدلّ على ضرورة كتابة هذا الكتاب .
ثانياً ؛ لعلّ هؤلاء النّاس كانوا يخطّطون إلى إنكار دلالة ما جرى ، والاعتماد على
هامش
( 1 ) . الحشر : 7
( 2 ) 2 . راجع : المستدرك للحاكم ، ج 1 ، ص 93 ، والعلل لأحمد بن حنبل ، ج 1 ، ص 9 وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ ، ج 2 ، ص 180 ، والجامع الصغير ، ج 1 ، ص 505 و 605 ، والسنن الكبرى للبيهقي ، ج 10 ، ص 114 .