قال ابن هشام : « وحدّثني مَن أثق به من أهل العلم : أنّ جعفر بن أبي طالب أخذ اللّواء بيمينه فَقُطّعت ، فأخذه بشماله فَقُطّعت ، فاحتضنه بعَضُدَيْه حتّى قتل « رحمه الله تعالى » وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنّة يطير بهما حيث شاء . . . » . « 1 » عن أبي جعفر ( ع ) : « أصيب يومئذ جعفر ، وبه خمسون جراحاً ، خمس وعشرون منها في وجهه » . « 2 » فلمّا قتل جعفر ، أخذ الرّاية عبد الله بن رواحة ، ثم تقدّم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التّردّد ، ثمّ قال :
أقسمت يا نفس لَتَنْزِلَنَّه طائعة أو لتكرهنّه
إن أجلب النّاس وشدّوا الرَّنَّة مالي أراك تَكْرهين الجنّة « 3 »
قد طال ما قد كنتِ مطمئنّة هل أنتِ إلّا نطفةٌ في شَنَّةٍ « 4 »
ثم تقدّم فقاتل حتّى قتل ، ووقع اللّواء من يده ، فاختلط المسلمون والمشركون وانهزم بعض النّاس ، فجعل قطبة بن عامر يصيح : يا قوم ، يقتل الرّجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبراً ، فبادر خالد بن الوليد ، فأخذ الرّاية وانهزم بها وتبعه سائر النّاس ، ولكن هناك من سعى لتزوير الحقيقة وإيهام النّاس بعكسها ، فادّعوا : أنّ الّذي حصل على يد خالد هو أحد الأمرين : إمّا مجرّد الإنحياز والمحاشاة ، ثم الانصراف ؛ وإمّا النّصر والفتح .
فقد ذكر ابن إسحاق : أنّه لم يكن إلّا المحاشاة والتّخلّص من أيدي الرّوم الّذين
هامش
( 1 ) 1 . السيرة النبويّة ، ج 4 ، ص 20
( 2 ) 2 . البحار ، ج 21 ، ص 56 عن إعلام الورى ، ص 110 و 111
( 3 ) 3 . أجلب القوم : صاحوا واجتمعوا ، والرّنة : صوت فيه ترجيع شبه البكاء
( 4 ) 4 . النّطفة : الماء القليل الصّافي . والشّنه : السّقّاء البالي ، أي : فيوشك أن تهراق النّطفة أو ينخرق السقّاء . ضرب ذلك مثلًا لنفسه في جسده .