فقالوا : يا رسول الله ، قتلنا سبعين ، وهم قومك وأُسْرَتُك أَتَجُذُّ « 1 » أصلهم ؟ هبهم لنا ، وخذ منهم الفداء وأطلقهم .
ولكنّ النّبيّ ( ص ) كره أخذ الفداء ، حتّى رأى ذلك سعد بن معاذ في وجهه ، فقال : يا رسول الله ، هذه أوّل حرب لقينا فيها المشركين ، والإثخان في القتل أحبّ إلينا من استبقاء الرّجال .
ونزل في هذه المناسبة قوله تعالى :
« ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
» « 2 » .
ولمّا رأى النّبيّ ( ص ) إصرارهم على أخذ الفداء ، أخبرهم : أنّ أخذ الفداء سوف تكون عاقبته هو أن يقتل من المسلمين بعدد الأسرى ، فقبلوا ذلك وتحقّق ما أوعدهم به ( ص ) في واقعة أُحُد ، كما سنرى . « 3 » وتقرّر الأمر على الفداء ، وجعل فداء كلّ أسير من ألف إلى أربعة آلاف ، وصارت قريش تبعث بالفداء أوّلًا بأوّلٍ ، وأعطى ( ص ) كلّ رجل من أصحابه الأسير الّذي أسر ، فكان هو يفاديه بنفسه . « 4 » وكان من جملة الأسرى عبّاس وعقيل ، وقد سهر النّبيّ ( ص ) ليلة ، فقال له بعض أصحابه : ما يسهرك يا نبي الله ؟ قال : أنين العبّاس . « 5 » فقام رجل من القوم ،
هامش
( 1 ) 1 . جذّه : قطعه مستأصلًا
( 2 ) . الأنفال : 67 و 68
( 3 ) 3 . راجع : تاريخ الطبري ، ج 1 ، ص 169 ، والسيرة الحلبية ، ج 2 ، ص 190 ، وصحيح مسلم ، ج 5 ، ص 175 وأسباب النّزول للواحدي ، ص 137 ، وحياة الصّحابة ، ج 2 ، ص 42 ، وكنزل العمال ، ج 5 ، ص 265 عن أحمد ومسلم
( 4 ) 4 . المصنّف ، ج 5 ، ص 211
( 5 ) 5 . الظّاهر أنّ مكان العباس كان قريباً من النّبيّ ( ص ) فمنعه أنينه من الرّاحة ، لا أنّه كان يعطف عليه خاصة دون غيره من الأسرى .