النَّصُّ :
« يَثْرِبُ » اوَّلُ مَدِيْنَةٍ مِنْ مَدائِنِ العالَمِ تَشَرَّفَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَعْد مَسْقَطِ رَأْسِهِ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ . فَقَدْ هاجَرَ الَيْها مَعَ أصْحابِهِ اضْطِراراً ، وفراراً بِدِينِهم مِنْ بَطْشِ « 1 » قُرَيْش الّذِينَ اسْتَمرّوا في ايْذاءِ نَبِيِّهِم الأكْرَمِ خِلالَ السَّنَواتِ العَشْرِ الّتِى دَعاهُم فِيها إلى تَرْكِ عِبادةِ الأَوْثانِ ، والرُّجوعِ إلى عِبادةِ الرّحمن .
نَعَمْ « يَثرِبُ » ، والَّتى اسْماها النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِ ( طَيْبَةَ ) ، هِىَ المَدينَةُ الّتِى فَتَحَتْ ذِراعَيْها لِتَسْتَقْبِلَ ذلِكَ الّذى بُعِثَ رَحْمَةً للعالمينَ بِصَدْرٍ رَحْبٍ « 2 » وَبِحرارَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ ، وَبِهذا تَشَرَّفَ أهْلُها بِنُصْرَةِ الرَّسولِ وَرِسالَتِهِ فَنالوا وِسامَ « 3 » لَقَبِ الأَنْصار .
واخيراً غَدَتْ ( طَيْبَةُ ) المَدينَةَ المُنَوَّرَةَ بِهِ وَبِقَبْرِهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، وَمِنْها شَعّ نورُ الرَّسولِ والرِّسالَةِ إلى جَميعِ ارْجاءِ العالَمِ ، وسَيَبْقى إلى يوم يُبْعَثُونَ ، مِصْداقاً لِقَولِهِ تَعالى :
« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
« 4 » .
وَأهَمُّ اثَرٍ أَوْ مَعْلَمٍ نَراهُ اليَوْمَ مَحَطَّ انظارِ المُسْلِمينَ فِيها هو المَسْجِدُ الّذِى انْشَأهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم في الأيّامِ الأُولى مِن هِجْرَتِهِ المُبارَكَةِ . وبالتّالِى فَقَدِ انْضَمَّ إلى المَسْجِدِ النَّبَوِىِّ العَظيمِ قَبْرُهُ الشَّريفُ الّذى اصْبَح مَزاراً لا نَظِيرَ لَههُ لِجَميعِ المُسْلِمينَ فِى العالَمِ على اختِلافِ طَرائِقِهم ومَذاهِبِهِم .
وَمِنَ البِقاعِ المُقَدَّسَةِ في هذا المَسْجِدِ الشَّرِيفِ هِىَ المِنْطَقَةُ الَمحْصُورَةُ بَيْنَ بَيْتِ
هامش
( 1 ) البَطْشُ : الأخْذُ بِعُنْفٍ . قالَ تعالى :« وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ »( الشُّعَراء : 130 ) .
( 2 ) رَحْبٌ : واسعٌ والفِعْلُ ( رَحُبَ - ) ، قال تعالى :« حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ »( التوبة : 118 ) .
( 3 ) وِسام : ( مَدالِيَة ) ( نِيْشان ) ، علامة افتِخار .
( 4 ) الحجر : 9 .