صورته الرياء ، فهنالك من يحرص على إظهار نفسه عبَّاداً دعّاءً ، وقصده من ذلك جذب القلوب إليه ، أو طلب المحبوبية في قلوب الناس ، فذلك ما كان عابداً ليكون عبَّاداً ، وما كان داعياً ليكون دعَّاءً ، إنّما هي تصدية ومُكاء « 1 » ، ولقلقة لسان لا يجني من ورائها الفاعل شيئاً ، بل سيجني سوءاً نتيجة فعله المشين ذلك ، والرياء مُصيبة عظمى تُفرغ العبادة من محتواها ، ومُصيبته الأعظم هو أنه يتّخذ من الدين وقيمه النبيلة موئلًا للوصول إلى مآربه الدنيئة الفارغة .
وعلى أيّ حال ، فإنَّ كلا المعنيين يعنيان أن الإخلاص في الدين لابدَّ أن يُقصد ويقع من الداعي ابتداءً ، ثمَّ يأتي مورد الدعاء ، لتكون ثمرة الاستجابة مُبتنية على أمرين لابدَّ منهما ، الأوّل : هو الإخلاص في الدين ، والثاني : تحقيق نفس الدعاء .
ومن آياته في ذلك ، أنّه سبحانه عندما أراد مدح إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) مدحه بكونِهِ كثيرَ الدعاء ، حيثُ عَبّرَ عنه بقوله تعالى :
. . . إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
( التوبة : 114 ) ، وقد سُئِل الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) عن قول الله عزَّ وجلَّ :
. . . إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
فقال : «
الأوَّاه الدَّعَّاء
» « 2 » .
وأخيراً : لا ريب بأنَّ الدعاء هو محطّة السلامة بعد رحلة عناء ، والطريق الموصل للكمال المفقود الذي يرى فيه الداعي سبيل السلام له ، وطلب
السلامة هو معقد إجماع العقلاء ، والسلامة تعمّ أمر الدين والدنيا والآخرة ، وليس هنالك بعد الأخذ بالعقيدة ، والعمل بالشريعة ، غير الدعاء ، فهو
هامش
( 1 ) المُكاء هو الصفير ، والتصدية هي التصفيق .
( 2 ) مستدرك الوسائل ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 167 ، الحديث : 21 .