تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدعاء إشراقاته ومعطياته — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
الوجه الثالث : مَنْ قال إنَّ النظام الحاكم في هذا العالم مقتصرٌ على نظام العلية والمعلولية ؟ فإنَّ الاعتقاد بذلك موافقٌ تماماً لمقولةِ اليهود التي قرَّرها القرآنُ في قوله تعالى :
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
( المائدة : 64 ) ، حيث كانوا يرون أن الله تعالى غير قادر على إجراء تغيير في العالم بعد خلقِه إياه ، فالعالم يقودُ نفسَه ، ومن هذا القبيل مقولة المعتزلة حيث يرون أن الإنسانَ خارجٌ في أفعاله عن سلطان الله تعالى ، أي أن اللهَ تعالى فوَّض للعبد أن يفعل ما يشاء دون أن تكون هنالك قوّةٌ مانعة ، وبذلك أثبتوا المشيئة المطلقة للإنسان وأبطلوا المشيئة الإلهية في ذلك . وقد ردّ القرآنُ الكريمُ على هذه العقيدة الفاسدة في الآية أعلاه ، بقوله :
. . . غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ . . .
( المائدة : 64 ) ، ومن لطائفِ الجواب في هذه الآية الكريمة التعبير بأُسلوب التثنية ، فقال :
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
بعدما عبّر اليهود المعروفون بحبِّ المال والبخلِ الشديد بأُسلوب المفرد ، فقالوا :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
، فالله تعالى من كرمه ولكرمه عبَّر بالتثنية ، وأُولئك من بخلهم ولبخلهم عبَّروا بالمفرد . وأقول : كيف تكون يده مغلولة وبيدهِ كلّ شيء ؟ وكيف يعجز عن شيء وهو القائل :
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
( الحجّ : 14 ) ؟ وهو القائل أيضاً :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( فاطر : 2 ) ؟ وسوف تكون لنا وقفة أُخرى عند الآية السالفة في موضع آخر من هذا الفصل . والخلاصة في هذا الوجه الثالث كلِّه هو توقُّف قانون العلّية والمعلولية