وعليه فقانون العلّية هو الحاكم في عالم الحسّ بأسره ، ومفاد الدعاء مُندرج ضمن ذلك النظام ، حيث جُعلت من فقراته توقُّف تغيير الحال على الدعاء ، وهذا المعنى مُنسجم تماماً مع قوله تعالى :
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ
( البقرة : 186 ) ، فالقضية هنا شرطية محضة ، فإجابةُ الدعوة مُسبَّبةٌ لسبب حقيقي وهو تحقق التوجُّهِ بالدعاء له تعالى بلا شوبٍ ولا غطش .
الوجه الثاني : وهو وجه يعتمد على إبقاء نظام العلّية والمعلولية على مجراه أيضاً ودون أن يخرمَه شيء ، مع جريان التغيير بواسطة الدعاء .
تقريبه : إنَّ نظام العلّية نظام كلّي لا يختلف ولا يتخلَّف أبداً ، وإنَّ الدعاء طريق معرفي يُبصِّر الداعي بموارد تطبيق ذلك النظام ، فمن الواضح جداً أن لا يُوجد مدّعٍ في العالم القديم والحديث يدَّعي الوقوف على التفصيلات التطبيقية لنظام العلّية والمعلولية ، فنحن لا نُعدم بين الفينةِ والأُخرى اكتشاف سرٍّ جديدٍ يندرج ضمنَ نظام العلية والمعلولية ، ولا ريب بأنّ الأسرار غير المُكتشفة لها النصيب الأعظم ، عملًا بالقاعدة القرآنية القائلة :
. . . وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
( الإسراء : 85 ) ، وهنا تدور رحى العوامل المعرفية للدعاء ، حيث الاستجابة تكون بواسطة التعريف بموارد التغيير التي لم تكن معلومة للداعي ، ولعلَّ من شواهد هذا الأمر الوجدان ، حيث يُلاحظ كلّ واحد منا في آنٍ ما أمراً في غاية الأهمية ، لم يتدبَّر فيه من قبل ، ولم يخطر على باله أبداً ، ولكنَّه كان كثير السؤال بالتوفيق ، وهذه الالتفاتة للأمر الخفي وكشف السرّ له ، استجابةٌ لذلك الدعاء ، فيكون مفاد الدعاء هو التوفيق لتحقيق المقاصد بأقصر الطرق .