نظرة في مضمون الحديث
نحن لا نناقش سند الحديث ، لأنّه مروي في صحيح البخاري ومسلم وهما فوق أن يناقشا على زعم القوم ، إنّما الكلام في مضمونه حيث إنّه على فرض الصحّة لا يثبت ما رامه القائل من نزاهة القرون الثلاثة الأولى عن وجود البدعة والتحريف . وذلك لأنّ القرن في اللغة بمعنى النسل . « 1 » وفي هذا المعنى استعمله الذكر الحكيم فقال سبحانه :
فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ .
« 2 »
فإذا كان القرن بمعنى النسل ، فلنرجع إلى تفسير الحديث ، المروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : خير أمّتي قرني .
ثمّ الذين يلونهم .
ثمّ الذين يلونهم .
على ضوء تفسير القرن بالنسل يكون المراد من قوله « قرني » هو النسل الحاضر والمعاصر للرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم والمنقرض برحيله ، أو بعده بشيء .
ويكون المراد من قوله : ثمّ الّذين يلونهم هو النسل الثاني بعد رحيل الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، كما يكون المراد من قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : ثمّ الذين يلونهم هو النسل الثالث بعد مضي سبعين سنة - مثلا - من النسل الثاني .
فإذا افترضنا انّ كلّ نسل عاش سبعين سنة ، فإنّ الاستدلال بالرواية لا يصحّ إذن لتنزيه من عاش بعد الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم بأكثر من ( 140 ) سنة .
فأين ذلك من صيانة من عاش خلال الثلاثمائة سنة الّتي أعقبت رحلة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ؟ !
هامش
( 1 ) . لاحظ العين : للخليل ، لسان العرب لابن منظور ، مادة « قرن » .
( 2 ) . الأنعام : 6 .