" وليت شعري يا سيدي ومولاي ! أتسلط النار على وجوه
خرت لعظمتك ساجدة ، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة وبشكرك
مادحة ، وعلى قلوب اعترفت بإلهيتك محققة ، وعلى ضمائر حوت من
العلم بك حتى صارت خاشعة ، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبدك
طائعة وأشارت باستغفارك مذعنة ، ما هكذا الظن بك ولا أخبرنا
بفضلك " .
كرر قراءة هذه الفقرات ، وتأمل في لطف هذا الاحتجاج وبلاغته
وسحر بيانه ، فهو في الوقت الذي يوحي للنفس الاعتراف بتقصيرها
وعبوديتها ، يلقنها عدم اليأس من رحمة الله تعالى وكرمه ، ثم يكلم
النفس بابن عم الكلام ومن طرف خفي لتلقينها واجباتها العليا ، إذ
يفرض فيها أنها قد قامت بهذه الواجبات كاملة ، ثم يعلمها أن الانسان
بعمل هذه الواجبات يستحق التفضل من الله بالمغفرة ، وهذا ما يشوق
المرء إلى أن يرجع إلى نفسه فيعمل ما يجب أن يعمله إن كان لم يؤد تلك
الواجبات .
ثم تقرأ أسلوبا آخر من الاحتجاج من نفس الدعاء ،
" فهبني يا إلهي وسيدي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر
على فراقك ! وهبني يا إلهي صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن
النظر إلى كرامتك " .
وهذا تلقين للنفس بضرورة الالتذاذ بقرب الله تعالى ومشاهدة
كرامته وقدرته ، حبا له وشوقا إلى ما عنده ، وبأن هذا الالتذاذ ينبغي
أن يبلغ من الدرجة على وجه يكون تأثير تركه على النفس أعظم من
عقائد الإمامية — صفحة 92
مساهمون: الشيخ محمد رضا المظفر
ص٩٢