تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم طبقات المتكلمين — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
تَعُودُونَ
« 1 » ، فنّبههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلا على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلا محدثا ، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم ، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدست أسماؤه فليس خلق شيء بأهون عليه من الآخر ، وقد قيل : إنّ الهاء في « عليه » إنّما هي كناية للخلق بقدرته ، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفّ عليه من ابتداء خلقه ، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتربية وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان ، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة ، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء ، فهي أهون عليه من ابتدائه ، فهذا ما احتجّ به على الطائفة المقرة بالخلق . وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل والثاني ، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا : وجدنا الحياة رطبة حارة ، والموت باردا يابسا ، وهو من طبع التراب ، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقا سويا ، والضدّان لا يجتمعان ، فأنكروا البعث من هذه الجهة . ولعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد ، ولا في جهة واحدة ، ولا في الموجود في المحل ، ولكنّه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة ، فاحتجّ اللّه تعالى عليهم بأن قال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
« 2 » ، فردّهم اللّه عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته ، فجعل جواز النشأة الأولى دليلا على جواز النشأة الآخرة ، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة ، فجعلها خلقا سويا وقال :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ
هامش
( 1 ) . الأعراف : 29 . ( 2 ) . يس : 80 .