كما أن شيخنا لم يحصل على شهادة قط بعدها .
وكانت مقروءاته في المدرسة التجارية شاملة لكافة العلوم الشرعية :
فقرأ القرآن الكريم على الشيخ المقرئ عبد الوهاب دبس وزيت ، وقرأ الفقه الشافعي على الشيخ الفقيه عبد الرحمن الخطيب ، وقرأ النحو والبلاغة على الشيخ اللغوي هاشم الخطيب ، وقرأ علم الكلام والعقائد على الشيخ حسني البغّال ، وقرأ علم الحساب على الشيخ واصف الخطيب ، كما قرأ غير ذلك من الفنون والعلوم .
ثم إن شيخنا ترك الدراسة بعد ذلك لعدة أسباب منها :
* المحنة التي واجهها والده في تلك الفترة .
* القسوة والشدة التي واجهها مع زملائه في المدرسة التجارية .
* موت أحد أصدقائه في المدرسة غرقا أثناء رحلة صيفية فأثّر ذلك في نفسه .
اتجه بعد تركه للدارسة للصيد وركوب الخيل والسباحة ، فكان يخرج إلى مزارع الأسرة في المزة وداريا ، فيقضي وقتا طويلا في الصيد حتى مهر فيه واشتهر به .
لكن حبه للغة العربية وشغفه بها لم يتركه طويلا خارجا عن نطاقها ، فعاد إليها عودا حميدا عندما أهداه صديقه وأستاذه الشيخ منير الفقير رحمه اللّه كتاب « في سبيل التاج » للأديب المنفلوطي ، فما إن أمسكه حتى وجد نفسه في نهايته ، فكان إعجابه به كبيرا ، وكانت فاتحة خير له حيث طلب من صديقه أن يوفر له كتب المنفلوطي كاملة فقرأها وتأثر بها ، ثم إنه استخرج الألفاظ الغريبة منها ورتبها أبجديّا ، ثم استلّ شرحها من القاموس المحيط وجعل يحفظها حتى أتمها ، فكان ذلك ثروة لغوية له وعمره له يتجاوز الرابعة عشر .
ثم اتجه بعد ذلك لمطالعة كتب الأقدمين ، فقرأ البيان والتبيين للجاحظ قراءة إمعان وتدبّر ، ولاحظ الفرق بين أسلوب الجاحظ وأسلوب المنفلوطي الذي كان معجبا به من قبل حتى خرج بنتيجة أدبية نقدية عن كتابات المنفلوطي فقال : « المنفلوطي يحبه المتأدب وينكره الأديب » .
ومن ذلك الوقت دأب شيخنا على قراءة الأدب الأصيل ، وكان أنيسه كتب الجاحظ والمبرد وأبي علي القالي .
وفي أثناء ذلك عادت قناعته إليه بضرورة الرجوع إلى حلقات العلم والتعليم فمشى في اتجاهين متوازيين :
* اتجاه الدراسة والتحصيل .
* اتجاه التدريس والإقراء .
أما الاتجاه الأول : فقد رجع لملازمة الشيوخ في حلقات العلم المسجديّة ، كما سنفصله عند ذكر شيوخه .
وأما الاتجاه الثاني : فقد عقد له والده العلامة محمد علي الدقر مجلسا لإقراء النحو في جامع ( السنانية ) بدمشق ، ولم يتجاوز عمره خمسة عشر عاما ، فبدأ مع الطلبة ب « متن الآجرومية » ثم شرحها للأزهري ، ثم انتقل إلى « قطر الندى وبل الصدى » لابن هشام فأعاده درسا خمس مرات ، ثم انتقل إلى « شذور الذهب » فأعاده مرتين ، ثم انتقل إلى « شرح ابن عقيل على الألفيّة » وانتهى من تدريسه وعمره سبعة عشر عاما ! !
ولا شك أن هذا النبوغ المبكّر قد لفت أنظار الكثيرين من العلماء الوافدين إلى دمشق ، مما جعل ذكر شيخنا يجري على لسان كثير من المعجبين به .
ثم حول درسه بعد ذلك إلى جامع « العدّاس » بدمشق ، حيث استلم غرفة في المسجد ، وضع فيها مكتبته القيّمة وبقيت تحت تصرفه قرابة خمس وعشرين سنة .
* شيوخه :
تلقى شيخنا علومه على عدد من علماء دمشق كان من أبرزهم :
1 - العلامة المحدث شيخ الشام محمد بدر الدين ابن يوسف المغربي الحسني ( ت 1354 ه ) رحمه اللّه .
لازمه شيخنا مدة طويلة ، وكان يحضر مع والده درسا خاصّا عنده وسمع عليه معظم « صحيح الإمام البخاري » و « معظم صحيح الإمام مسلم » ، وكتاب « الترغيب والترهيب » للحافظ المنذري ، وكتاب « السنوسية الكبرى » في العقائد ، وكتاب « شرح الرضي