في دار الحديث ، فلما شاهده قال له : « يابا « 1 » تأخرت » .
فقال : « يا سيدي أتممت أشغالي وأتيت » ، فرحب به ، وألبسه من عنده ملابس ، وأفرد له غرفة جانب غرفته .
ولزمه ، وكان أمينه ، ومن خواصه . وكان كثير من الناس لا يعملون شيئا إلا بعد أن يشاوروا الشيخ يحيى ؛ لأنه يمثل في نظرهم رأي شيخه البدر . وبقي ملازما للشيخ حتى خالطت محبته لحمه ودمه .
حليم حكيم ، سديد الرأي ، ذو خبرة في الحياة ، ما وجّهه أستاذه في حاجة إلا وقضاها على أحسن وجه ، وكان صاحب سرّه وصفيّه ، وكان عطوفا على طلبة العلم ، يحب العلماء ولا يكره أحدا ، يسعى للناس في الخير ، ويحكى عنه في هذا المجال - وكان إماما في المشيرية زمن العثمانيين والفرنسيين - أنه دخل المشيرية فوجد الشيخ محمد الديراني مقبوضا عليه مكبّلا ؛ فقد ألقوا القبض عليه وهو يحمل سلة مملوءة بالقنابل ، وكان الشيخ محمد يكره المترجم ، ومع ذلك تألّم له ، وركض إليه ، وضمّه إلى صدره ؛ فاجتمع الضباط الفرنسيون وقادوا الاثنين إلى رئيسهم الذي سأل صاحب الترجمة عن الشيخ محمد الديراني فقال له : « هذا شيخنا وتلميذ شيخنا » ، فقال : « إنه ينقل القنابل والأسلحة إلى الثوار ، وقد ضبطناه بسلة فيها قنابل » . فقال : « إنما أعطاه أحد الناس السلة وقال له :
خذها إلى أيتام في الموضوع الفلاني وهو لا يعرف ما بها » . وخشية من حدوث بلبلة أطلق سراح الديراني .
توفي بدمشق سنة 1378 ه ، وكان قد أوصى أن يدفن في قبر والده إلا إذا رأى أهل شيخه رأيا غير ذلك . وكان أن دفن قرب قبر الشيخ بدر الدين .
الأهدل « * » ( 1301 - 1374 ه )
العالم المفخم الكريم الشهم المقدام : السيد محمد بن يحيى بن حسن الأهدل الزبيدي الشافعي .
ولد بزبيد سنة 1301 ، وقرأ القرآن الكريم حتى أتمّه ، ثم شرع في القراءة بزبيد ، فأخذ عن السيد أحمد بن حسن الأهدل ، وابن عمه الشهير السيد محمد بن محمد بن حسن الأهدل ، والشيخ عباس السالمي ، والشيخ محمد بن يوسف الجدي وغيرهم .
مهر في الفقه والأدبيات ، واشتغل بالتدريس ، وكان يقرئ في غرة المحرم من كل عام « صحيح البخاري » فيحضره عدد من العلماء والطلبة والأعيان .
عرف باقتناء الكتب واستيرادها من مواطن إصدارها ، والعكوف على المطالعة والمذاكرة والمراجعة ، فنمت معلوماته ولم يكن يأخذ بقول الشاعر :
الا يا مستعير الكتب دعني * فإن إعارة المحبوب عار
ومحبوبي من الدنيا كتابي * وهل أبصرت محبوبا يعار .
بل يعير ما يطلب منه وإنما يشترط أن تطول غيبته والعناية به ، ويرى أن ما قاله الشاعر من باب كتم العلم .
كان كثير الصدقات من إطعام الطعام لطلابه المتغربين ، قرر لهم كل يوم كيلة طعام خبزا في الصباح والظهر مع اللحم والإدام .
ومما نظمه من الشعر في حضور سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الغزوات وقتاله فيها :
بنفسه قد قاتل المختار في * حنين مع قريضة والطائف
وخيبر واحد والخندق * وفي المريع وتبوك فحقق
وحضر القتال في تسع وفي * عشر وما قاتل حيث قد كفي
وسبعة وأربعين بعثنا * سرية فروية عمن حدثنا
توفي سنة 1374 ه ، رحمه اللّه وأثابه رضاه .
محمد طبّارة « * * » ( 1264 - 1352 ه )
* مولده ونشأته : هو الشيخ محمد ابن الحاج يحيى طبارة البيروتي ، وهذه الأسرة من أصل عربي
هامش
( 1 ) كلمة تحبب كانت تجري على لسان الشيخ رحمه اللّه حين يتحدث إلى إنسان ممن حوله .
( * ) « تشنيف الأسماع » لمحمود سعيد ممدوح ص : 518 - 519 .
( * * ) « أعلام الأدب والفن » لأدهم الجندي : 2 / 340 ، و « الأعلام » للزركلي : 7 / 143 .