معهم من رجالات العرب وشبابهم لم يخطر على بالنا الانفصال عن الدولة العثمانية لا لأن الاستقلال عن دولة ضعيفة مريضة أمر مكروه ، ولكن لعلمنا أن تمرن الشعوب على أخلاق السيادة يحتاج إلى وقت ، فكان من مصلحة العرب في الدولة العثمانية أن تعترف لهم الدولة بلغتهم في الإدارة والتعليم في البلاد التي يتكلم أهلها العربية ، وألا تبلغ فيها الحماقة إلى حد أن يكون التعليم في بلادهم بلغة أجنبية عنهم ، وإلى حد أن تكون لغتها محرما عليها أن تكون لغة الإدارة والقضاء في صميم الوطن العربي » .
ولما وصل إلى دمشق رأى أن الدولة لا تريد الاعتراف بجمعية النهضة العربية ، وأجبروا الجمعية على أن تجعل اسمها جمعية النهضة السورية . وفي هذه الأثناء تسنى له أن يشارك عمال جريدة القبس في تحرير ( طار الخرج ) الهزلية الناقدة التي نزل العدد الأول منها ، وبيعت نسخه بأضعاف ثمنه ، وانتبهت السلطات الحكومية للجريدة ، فأخذت في البحث عن طابعها وكاتبها فلم تعثر عليهما لأنهما مجهولان ، ولما أوشكت الحكومة أن تعرف الحقيقة سافر المترجم إلى بيروت ، فكتبت الحكومة إلى المسؤولين في بيروت لملاحقته ، فأبرقت الجمعية إليه باسم أصغر أعضائها جميل مردم ؛ لأنّ سنه يخفض المسؤولية والمؤاخذة بأن يسافر حالا إلى إستانبول ، فسافر وجدد قيده في الحقوق في السنة الثالثة على أمل إكمال الدراسة .
وفي إستانبول سكن منزلا لطيفا في قرية ( بيكوز ) على البسفور هو وبعض أصدقائه ، وصار ينزل يوميا إلى إستانبول في باخرة خفيفة ، ثم يعود إلى القرية وبقي في إستانبول إلى صيف 1909 حين علمت حكومة سورية بوجوده في العاصمة التركية فلاحقته فيها بقضية جريدة ( طار الخرج ) ، فاقترح عليه أصدقاؤه السفر إلى مصر ليستقر .
وصل إلى القاهرة في رجب 1327 ه / 1909 م وكان قبل ذلك باع منزلا له بدمشق وأسس بثمنه ( المكتبة السلفية ) مستعينا بعبد الفتاح قتلان ، وكان تأسيسها في البداية في مدخل خان الخليلي ، واقترح عليه أحمد تيمور باشا المشاركة في تحرير ( جريدة المؤيد ) للشيخ علي يوسف ، فكان موضع ثقته ، وكان الشيخ علي يوسف أستاذه الأول في الصحافة المصرية ، وكان من إخلاصه للصحافة أنه لما وقعت حرب ليبيا مع الطليان استأجر مسكنا مقابل دار المؤيد في شارع محمد علي لتوافيه البرقيات ؛ فينظم منها ملحقا صغيرا بالجريدة . وزادت ثقة الشيخ علي به فصار المترجم هو الذي يتخير للنشر ما يناسب ، وقد نشر نقلا مترجما عن ( مجلة العالم الإسلامي ) الفرنسية دراسة عن أعمال المبشرين البروتستانت في فصول متتابعة أثارت ضجة في القاهرة ، فضح فيها ما يراد بالمسلمين من كيد .
ثم تأسس في القاهرة سنة 1331 ه / 1913 حزب اللامركزية العثماني برئاسة رفيق العظم ، وكان من رجاله رضا وإسكندر عمون ، وحقي العظم ، وداود بركات ، وكان محب الدين عضو مجلس الإدارة ، وكاتم السر الثاني .
وتأسست في بيروت ثم في باريس جمعية ( العربية الفتاة ) ذات الدور العظيم ، فكان محب الدين يمثل هذه الجمعية بمصر ، وينفذ قراراتها التي لها علاقة بحزب اللامركزية .
وفي هذه السنة 1331 ه / 1913 م أيضا أسس رشيد رضا ( مدرسة الدعوة والإرشاد ) فوقع اختياره على المترجم ليدرّس علم طبقات الأرض .
وعندما وقعت الحرب العالمية الأولى قررت الجمعيات السرية ورجالات القومية العربية إيفاد مندوبين إلى زعماء العرب لمفاوضتهم في أمرها ، ليتخذوا موقفا ملائما مشتركا يعود إلى البلاد بالخير ، فاختير المترجم ومعه تلميذ له للسفر إلى الخليج العربي في محاولة للاجتماع بزعماء تلك المنطقة ، فسافر إلى عدن ، ثم بومباي حيث ضرب عليهما رقابة دقيقة حتى أبحرا إلى الكويت ، فاعتقلهما ضابط بريطاني ، ومكثا في السجن تسعة أشهر دون أن يتمكن من إتمام مهمته ، وعاد إلى مصر والحرب على أشدها والاضطهاد التركي في ذروته .
وبعد إعلان الثورة العربية الكبرى طلبه الشريف حسين برقيا ، فسافر إليه في مكة المكرمة ليؤسّس المطبعة الأميرية ، وليصدر ( جريدة القبلة ) الجريدة الرسمية لحكومة الحجاز ، وكان الشريف حسين
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1004
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٠٠٤