تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1486

مساهمون:

ص١٤٨٦
سمعان فعيّن لها بعض من يلوذ بالشيخ أبي الهدى فوكّل المعيّن للمترجم في القضاء إلى حين حضوره إلا أنه لم يحضره ، وعيّن لجهة أخرى فعندئذ كتب والي حلب رائف باشا بالتماس من المترجم إلى الآستانة باستحسان تعيين المترجم ، وفي هذه الأثناء في سنة 1316 ه توفي العلامة الشيخ أحمد الزويتيني مفتي حلب ، فكتب الوالي رائف باشا إلى الآستانة بلزوم تعيين شيخنا الشيخ محمد الجزماتي لمنصب الإفتاء لأهليته لذلك وشهرته في الفقه الحنفي ، فجاء الجواب بتعين المترجم لهذا المنصب ، وذلك أيضا بمساعي الشيخ أبي الهدى لدى باب المشيخة الإسلامية وإقناعه لها بترجيحه على الشيخ محمد الجزماتي ، ومعلوم ما كان للشيخ أبي الهدى عند السلطان عبد الحميد من المنزلة الرفيعة والكلمة المسموعة ، فوافق باب المشيخة على ذلك ، وكتب إلى رائف باشا بتعيين المترجم لمنصب الإفتاء ، وأن ذلك بناء على حسن شهادتكم في حقه ، وأن من صلح للقضاء صلح للإفتاء بالأولى . في حين أنه والحق يقال لم يكن لديه من علم الفقه ولا غيره من العلوم الآلية أو العقلية ما يؤهّله أن يشغل هذا المنصب الجليل ولكن :
فكم في العرس أبهى من عروس * ولكن للعروس الحظ ساعد
و :
إن المقادير إذا ساعدت * ألحقت العاجز بالقادر
وحينما كان شيخا للتكية حصل له بعض الإقبال من الذين يلوذون في حلب بالشيخ أبي الهدى وينتسبون له ويشاركونه في الطريقة الرفاعية ، ولكن بعد أن صار مفتيا أقبل عليه الناس أيما إقبال ، وسعوا إليه في أمورهم ، وكثر زواره وقصاده ، شأنهم عند إقبال الدنيا على أحد كما قيل :
الناس في زمن الإقبال كالشجرة * والناس من حولها ما دامت الثمرة
وصار رئيسا لكثير من اللجان التي تعين من قبل الحكومة ، وعضوا طبيعيّا في مجلس الإدارة ، ورئيسا للجان إدارة الأوقاف بمقتضى القوانين التركية . وربما عيّن نائبا عن القضاة حينما تنقضي مدتهم إلى أن يأتي القاضي الجديد . ولا ريب أنه بذلك صار له الكلمة المسموعة لدى الحكام ، ووسع دائرة ذلك انتسابه إلى الشيخ أبي الهدى ، ولا يخفى ما كان له في الآستانة من الجاه الواسع والكلمة النافذة لتقريب السلطان عبد الحميد له واتخاذه من خواصه . ومع هذا فلم يكن المترجم يبالغ في إطراء الشيخ أبي الهدى ، ولا يكثر من ذكره ، ولا ينسب له شيئا من الكرامات التي كان يختلقها معتقدوه ومن يلوذ به ، ولا يزيد عند ذكره له عند الاقتضاء كما سمعته منه غير مرة على قوله : صاحب السماحة حفظه اللّه ، ثم يمضي في حديثه . وكان المترجم أبيض اللون ، مربوع القامة ، معتدل اللحية ليست بالكثة ولا الخفيفة ، نشيطا في القيام في الأعمال التي تناط به ذا همة فيها ، ورمّم الجامع الذي في محلة باب الأحمر المعروف بجامع أغلبك أحسن ترميم « 1 » . وقام على بعض العمارات التي حصلت في المدرسة الخسروية وفي الجامع الكبير واسمه مذكور في الأبيات التاريخية المنقوشة فوق باب القبلية المعروف بالحجازية ، ثم إنه بأمر من الشيخ أبي الهدى اشترى عدة دور مجاورة لأصل التكية وزاد في عمارتها على الصورة التي نراها الآن ، غير أن من يرى هذه العمار يعتقد أنه قصر لبعض أهل الثرى والغناء لا تكية عمرت لمأوى الفقراء . وكان رحمه اللّه حسن الملتقى ، متواضعا للكبير والصغير ، كثير المداراة للحكام ، ملائما لأفكارهم وأفكار الوجهاء في حلب ، ولعل ذلك كان سبب بقائه في هذا المنصب حتى بعد وفاة الشيخ أبي الهدى إلى حين وفاته ، ولولا ذلك لعزل من هذا المنصب بعد إعلان الدستور لقلة بضاعته العلمية وكثرة المتصدين لهذا المنصب ، لكنه بمداراته الحسنة امتلك القلوب ، فصار
هامش
( 1 ) تنبيه : قلت ثمة إن الأبيات التي نقشت في جدار قبلية هذا الجامع هي من نظم محمود أفندي الحكيم ، ثم لدى التحقيق تبين أنها من نظم صديقنا الفاضل السيد مسعود أفندي الكواكبي .