وقد كان لي الصديق المخلص والخل الوفي ، يفضي كل واحد منا إلى الآخر بمكنونات قلبه ، ويطلعه على مخزونات سره ، ولما فتحت المدرسة الخسروية وعينت لدرس التاريخ وغيره فيها ، كنت أذاكره في شؤون المدرسة وما يعود بالصلاح عليها ، وما أسرع اتفاقنا على ما يلزم عمله ، ولعلنا لم نختلف يوما قط ، وكأن الرأيين خرجا من قلب واحد ، وكنا بعد الاتفاق نسعى في إبراز ذلك إلى حيز العمل ، وكان عظيم المحبة لرقي اللغة العربية ونشرها ، وترقّي اللغة عنوان رقي الأمة ، ولذا لم يقصر سعيه في تعليمها في المدارس الدينية ، بل كان يسعى في نشرها في دار المعلمات أيضا ، وكان شديد الاهتمام في أمر الأمة الإسلامية ، وممن تشبعت أفكاره في لزوم إصلاح أحوالها العلمية والأخلاقية والاجتماعية لتنهض من كبوتها وتستعيد سابق منزلتها ، ولو طال أجله لقام بخدمات جلى نحو بلاده وأوطانه . ولعمري لو كان لدينا أشخاص بعدد الأصابع على شاكلته وفكرته وطريقته وهمته ، لعلا من الشهباء منارها وانتشر العلم في ربوعها وعادت فيافيها القفراء رياضا غناء .
وكان يذهب إلى ما أراه أيضا من لزوم تشكيل لجنة علمية من المتخصصين في العلوم الفقهية تضع كتابا في الفقه على نسق مجلة الأحكام العدلية يكون واسعا وافيا بحاجة الناس ، تأخذ فيه من بقية المذاهب تبنيه على الأقوى من الأدلة وعلى ما يكون فيه المصلحة العامة للناس ، وتكون قد عملت بمقتضى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » . ولا ريب أن الأمة الإسلامية في حاجة كبرى إلى مثل هذا الكتاب تسير عليه وتعمل بمقتضاه ، وذلك من أعظم الوسائل للم شعثها وجمع شملها وتوحيد كلمتها .
نعم يجب في أعضاء هذه اللجنة فوق السعة في العلم والمدارك أن يكونوا من المتمسكين بدينهم البعيدين عن الأغراض الشخصية والأهواء النفسية ، فإذا كانوا حائزين لهذه الشروط متصفين بهذه الخلال ، فيا لسعادة الأمة وفلاحها وقتئذ . وإن كانوا على خلاف ذلك فيا لشقائها وتعاستها وخيبة مسعاها في دنياها وأخراها .
مؤلفاته :
وألّف رحمه اللّه عدة مؤلفات مفيدة وهي :
- « مختصر دلائل الإعجاز » . للإمام الجرجاني في علم المعاني اختصر فيه هذا الكتاب اختصارا حسنا ، وقد أحسن في ترتيبه وتنسيقه وذكر كل مسألة في البحث الذي تناسبه خلافا للأصل الذي كثيرا ما يذكر مسائل استطرادية في غير موضعها ، فجاء كتابا مفيدا للطلاب .
- « والمنهاج السديد في شرح منظومة جوهرة التوحيد » . وهو شرح لطيف لهذه المنظومة خال من الزيادات والحشو ، وهذان الكتابان قرأهما في المدرسة الخسروية ، وطبعا في مطبعتي العلمية ، وهما المطبوعان من مؤلفاته .
- « شرح على شرح الطائي للكنز » . في الفقه الحنفي لم يكمل .
- كتاب في « أسماء أعضاء الإنسان » وهو كتاب مفيد فإنه قد جمع فيه ما تفرق في معاجم اللغة من أسماء أعضاء الإنسان .
- كتاب « عجالة الأديب وبلالة اللبيب في فن البيان » . وقد أكثر فيه من إيراد الأمثلة والشواهد لتوضيح القواعد وتسهيل فهمها على الطلاب .
- وكتاب « أسوة الأبرار بالنبي المختار » .
- كتاب في أصول الفقه يبلغ مائتي صحيفة سماه « المقاصد السنية شرح القواعد الكرخية » .
- منظومة جمع فيها معاني الحروف العربية تبلغ مائة بيت سماها « الفيض الرؤوف في معاني الحروف » .
- « رسالة في الحروف » ضمنها كثيرا من الأبحاث الاجتماعية .
- « رسالتان » صغيرتان في الأخلاق .
- « ترجمة » كتاب في اللغة التركية لأحد الأطباء بيّن فيه حكمة التشريع ، وما للتكاليف الشرعية من الفوائد الاجتماعية والصحية ومطابقتها للقواعد الطبية .
- « رسالة في عادات العرب قبل الإسلام » . بيّن فيها ما كانوا عليه من العادات الحسنة والسيئة ، ومالهم من الاعتقادات الخرافية وأسباب تلك الاعتقادات .
- كتاب كبير في اللغة على نسق مفردات الراغب يبحث في أصول اللغة واشتقاقها ، وهو مفيد جدّا ، وهو مرتّب على ترتيب المصباح ، ويبلغ حجمه حجم
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 1446
مساهمون: يوسف المرعشلي
ص١٤٤٦