صاهر عائلة دوغان البيروتية فتزوج من ابنة أخت الحاج محيي الدين دوغان وانتقل بسكنه إلى بيروت في منزل الغلاييني حيث وافته المنية عام 1975 عن عمر يناهز الاثنين والتسعين عاما ، وأثمر زواجه عن أربعة من الأولاد الذكور هم عبد اللّه كما ذكرنا ومحمد ومالك وإسماعيل الذين تزوجوا وأنجبوا أولادا وحفدة واستقروا في وطنهم لبنان .
وخلال إقامة الشيخ عبد السميع في بيروت تعرف على الأمير عبد المجيد الهاشمي ابن عم الملك الراحل عبد اللّه ، أول ملك لإمارة الأردن ، وأول سفير لها في لندن ، فقويت الصلة بين الرجلين الهاشميين لقرابة النسب النبوي من جهة ، ولحب سماع الأمير لتلاوة القرآن الكريم من جهة أخرى ، وما إن أعلنت المملكة الأردنية الهاشمية بعد أن كانت إمارة حتى عرض الأمير على الشيخ السفر إلى الأردن ليكون إماما للمسجد الأقصى وللملك شخصيا ، لكن الشيخ اعتذر بسبب تعوده على الجو البيروتي بين أسرته .
ومنذ العام 1946 ، يوم تعرف الشيخ عبد السميع بفضيلة الأستاذ العلامة الشيخ فهيم أبو عبيه المبعوث المصري الأول لأزهر لبنان . نشأت صلة خاصة بين الشيخين تقوم على أساس من المودة والاحترام والحب في اللّه ، وكان المقرئ الشريف معجبا ومتيّما بالشيخ الخطيب المفوه ، سيد منابر لبنان في الخمسينات وما بعدها ، والذي عمل حقبة زمنية لا بأس بها ، رئيسا للبعثة الأزهرية ومدرّسا جامعيا وخطيبا خاصا لمسجد المجيدية حيث ملتقى رجال السياسة والمال . وحيث التحليق البلاغي الأدبي الرفيع الذي يشهد له به كل من استمع إلى الشيخ فهيم ، أطال اللّه بقاءه بالصحة والعافية .
ولقد ظل الشيخ عبد السميع الشريف صوتا مدويا في سماء لبنان يصدح بكتاب اللّه ، ويطرب الآذان بنغمه الشجي الدافىء فترة من الزمن ، ترك خلالها بصماته الخيّرة بما عرف عنه من خلق فاضل ودين قويم وسمعة نظيفة طاهرة ، وستبقى ذكراه في نفوس محبيه ، وسيبقى اسم القارئ الشيخ عبد السميع الشريف محفوظا ومحفورا في ذاكرة بيروت وسجلّها الذهبي لروّادها الكبار !
عبد السميع الكردي « * » ( 000 - 1338 ه )
الشيخ عبد السميع ابن الشيخ أحمد الكردي البرزنجي ، العالم الفاضل ، الورع التقي المتعبد ، الحلبي الموطن والوفاة .
أصله من أكراد ما وراء النهر من قرية جناره ، وهي قرية من قرى قضاء شهرزور التابع لقضاء ( كل عمر ) ، وهي تبعد عن بغداد عشرة أيام في شماليها .
تلقى العلم على الشيخ عبد القادر البياري الكردي ، وعلى الشيخ عبد اللّه الولري ، وعلى الشيخ عبد الرحمن السجويني ، وعلى ملا كچكه الأربلي وهو آخر شيوخه ، قرأ عليه في علم الفلك .
ثم أتى حلب في نواحي سنة 1315 وهو قد ناهز الأربعين ، فجاور في المدرسة الأحمدية ، وبعد مدة ظهر فضله وعرف علمه ، فسارع إليه بعض الطلاب للقراءة عليه في العلوم الآلية خصوصا المنطق والمعاني والبيان ، وفي التوحيد والأصول ، فقد كان له في هذه العلوم اليد الطولى ، مع التحقيق والتدقيق في العبارة ، مع التقرير باللغة العربية بدون حشو في تقريره ، غير أنه رحمه اللّه لم يكن فصيح اللسان في اللغة العربية ، وإذا قرأ لأبناء الأكراد قرّر لهم الكتب العربية باللغة الكردية مع فصاحة وحسن بيان لأنها لغته الأصلية .
ولما سمعت بفضله بادرت إليه فقرأت عليه « شرح الشمسية » للقطب الرازي وذلك في شوال من سنة 1319 ، وأتممت قراءته عليه في ذي الحجة سنة 1321 ، ثم قرأت عليه « شرح المقولات العشر » للسجاعي ، وكتابا في علم الفلك ، وفي أوائل سنة 1322 ابتدأت بقراءة « شرح ابن ملك على متن المنار » في علم الأصول مع مشارفة حواشيه الثلاثة المطبوعة معه في الآستانة ، وهي « حاشية الرهاوي » و « حاشية عزمي زاده » والحاشية المسماة « أنوار الحلك على ابن ملك » للرضي الحنبلي الحلبي ، وكنت أول من استحضر
هامش
( * ) « أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء » للطبّاخ : 7 / 609 - 615 .