فنالت من لدن السلطان الالتفات والإحسان . واجتمع هنالك بعلمائها وأعيانها .
وفي سنة 1289 قصد مصر واجتمع بأكابر علمائها وأجلائها وأعيانها ، وحظي بمنزلة المجد والمهابة لدى أمرائها ذوي الفضل والسلطان . وقد ذكر ما جرى بينه وبين العلامة الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري في كتابه « الوسائل الأدبية في الرسائل الأحمدية » وقد أعرب ذلك العلامة عما رأى فيه من حسن الشمائل ومكارم الأخلاق .
وكان رحمه اللّه إماما جليلا في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي اللّه عنه . وكانت محاكم جبل لبنان تأخذ فتاويه وتحكم بمقتضاها بالنظر لما اشتهر عنه وعرف فيه : من تدقيق وصحة نقل ، وقوة تحقيق . وقد أصبح مرجعا لحل كل مشكلة وبيان ما خفي على الأفهام من دقيق المسائل ، وكان له من علم الأدب أوفى نصيب .
كاتب العلماء والأدباء ، وامتدح الأمراء والوزراء ، وقد أكثر في مدح السيد الشهير الأمير عبد القادر الجزائري الحسيني طيب اللّه ثراه معظم مناقبه وكرم أياديه ، وقد توج ديوانه النفح المسكي بقصيدة همزية امتدحه بها .
وقد أجازه المرحوم محمد صادق باشا باي تونس ، كما أن مصطفى باشا الوزير الأكبر أرسل إليه علبة مرصعة بالألماس عليها صورته بالألبسة الرسمية ، ومنقوش عليها اسمه بنادر الألماس ، مقابل قصيدته البائية التي خصه بها على نهج قصيدة العارف باللّه عمر بن الفارض قدس اللّه سره مطلعها :
حيّ عني من عريب الغرب حيّ * من قضى فيهم غراما فهو حيّ
وهي من غرر القصائد : تزهو على الجواهر الفرائد .
وله رسالة « لا سلامة من الخلق » ، وهي الرسالة التي أرسلها إلى حسين باشا وزير المعارف التونسية ، ونالت السبق على بقية الرسائل . ونال الحظ المعين لمن يجيد مع سبحة ثمينة من العنبر ورسالة بديعة بخطه .
* الوظائف التي شغلها : في سنة 1268 استدعاه إلى ( المختارة ) من جبل لبنان حاكم الشوفين سعيد بك جنبلاط ، فاتخذه مستشارا في الأحكام الشرعية والأمور العقلية ، وكان لديه عزيزا مكرما .
وفي سنة 1276 طلب إلى بيروت ، وعين نائبا في المحكمة الشرعية ، وعند إجراء التنسيقات جعل رئيسا لكتاب المحكمة المذكورة ، حيث مارسها ما يزيد عن ثلاثين سنة ، انتزع فيها ثقة العموم وأولياء الأمور ، لسعة اطلاعه وبديع حكمته ، وحلّ المدلهمات من القضايا والمستعصيات من الأمور . وقد عرضت عليه نيابة صنعاء اليمن ، فامتنع عنها لبعدها عن الأوطان .
ثم عيّن عضوا في شعبة مجلس معارف لواء بيروت ، وعند تشكيل الولاية انتخب عضوا في مجلس المعارف . ورغم كل ذلك كان مجدا في نشر العلوم ، وكان له في كل يوم دروس في فنون مختلفة مع اشتغاله بالتأليف .
* آثاره الأدبية : له ما يربو على ألف كتاب ورسالة بخطه الجميل منها :
1 - « ديوان شعر » نظمه في صباه وخصه في ثمانية فصول .
2 - « ديوان النفح المسكي » في الشعر البيروتي ، نظمه سنة 1283 في بيروت ، وطبعه في المطبعة العمومية .
3 - « ديوان » آخر نظمه بعد هذا الديوان ، يشتمل على كثير من القصائد الرائعة والرسائل الفائقة ينوف عن سبعين كراسا .
4 - « مقامات » تبلغ الثمانين أملاها على لسان أبي عمر الدمشقي ، وأسند روايتها إلى أبي المحاسن حسان الطرابلسي ، جارى فيها العلامة الحريري .
5 - « فرائد الأطواق » في أجياد محاسن الأخلاق يشتمل على مائة مقالة نثرا ونظما ، جارى بها مقالات العلامة جار اللّه الزمخشري .
6 - « فرائد اللآل » في مجمع الأمثال ، نظم فيه الأمثال التي جمعها العلامة الميداني في نحو ستة آلاف بيت . وقد شرح هذا الكتاب في مجلدين وجعله لخزانة ( السلطان عبد الحميد ) .
7 - وله في نظم ( المولد النبوي الشريف ) رسالتان إحداهما مطولة والأخرى مختصر .
8 - له : في تفصيل ( اللؤلؤ والمرجان ) في فصل