أدرك سرها المترجم كلّ الإدراك ، فحبب المادة العلمية للطلاب من جهة ، وملك على طلابه قلوبهم وعقولهم ؛ لأن الطالب متى فهم الدرس أحبه وانتفع به ، وبأستاذه .
ولما كان معلما في المدرسة الابتدائية ، كان يتوجب عليه الإشراف على الطلاب في الفسحة يوما واحدا كل أسبوع أو أسبوعين كما هي العادة في المدارس ، وكانت الفسحات على عهد المعلمين من زملائه قائمة على الضجيج والفوضى والشغب مما يثير سخط جيران المدرسة . . بينما يهدأ الطلاب في اليوم الذي يشرف المترجم عليهم فيه ، فينقضي الصخب ويتبدد الضجيج ، ولهذا كلفه المدير بالإشراف الدائم ، وأعفاه من بعض الحصص .
ولذلك فمما يقال عنه في صفاته أنه نشيط في عمله ، متفان فيه مخلص له . . وجمع إلى هذه الصفات الوقار ، والخلق الكريم ، يصل الرحم ، ويحسن الجوار ، يتلطف مع الناس ، ويداعب الزملاء والزوار ، يجيد الطرفة والفكاهة ، هادىء ، أنيس .
تخرج به المئات من المثقفين الذين دأب على تربيتهم في المساجد والمدارس والبيوت ، فكان منهم المتخصصون في شتى العلوم الدينية والكونية .
توفي بدمشق في 23 ذي القعدة 1397 ه .
ورثاه الشيخ إبراهيم اليعقوبي في قصيدة لطيفة ، وصف فيها أخلاقه الكريمة ، وعلمه ومكانته منها قوله :
تبكيه إن ضاق البيان مكارم * جلّت عن التعداد والإحصاء
ما أنصفتك عيوننا لما بكت * دمعا عليك وما جرت بدماء
ربيت أجيالا على نهج الهدى * وأتيت تسعى في هدى الأنباء
وتركت للأجيال بعدك قدوة * تسمو بهم للعز والعلياء
وغدا سيذكرك الجميع مقدّرا * مجهودك الأسمى بحسن جزاء
زين العابدين الخاني الدمشقي - زين العابدين بن محمود بن محمد ( ت 1382 ه ) .
زين العابدين ابن عبود المكناسي - زين العابدين بن محمد بن عبد السلام ( ت 1390 ه ) .
زين العابدين ابن عبود « * » ( 1312 - 1390 ه )
زين العابدين ابن الشيخ محمد بن عبد السلام ابن عبود المكناسي الأصل ، السلاوي المولد والدار ، المستوطن أخيرا بمدينة الدار البيضاء .
ولد بسلا حوالي عام اثني عشر وثلاثمائة وألف .
الشيخ الجليل ، العلامة المشارك ، الحافظ المستحضر ، الواعية المطلع ، المرشد إلى الدين الصحيح بقوله وعمله .
أخذ العلم عن جلّ علماء سلا ، وبعض علماء الرباط ، لا نطيل بذكرهم ، وأخذ علم التصوف عن أبيه .
قال ابن سودة : كان كثير التدريس والإفادة ، يدرّس التفسير والحديث ، فقد ختم تفسير القرآن الكريم عدة مرات في عدة مساجد ، وأخيرا استوطن الدار البيضاء ، وصار يدرّس بها في الجامع المحمدي بدرب السلطان ، وبها حضرت عليه بعض الدروس ، كان فيها إرشاد وتخويف ووعد ووعيد على طريق السلف الصالح رحمه اللّه .
أسند إليه القضاء أولا بقبيلة الرحامنة نحوا من ثلاثة أعوام ، ثم نقل إلى نواحي مدينة تازا مدة ، ثم ترك ذلك ورجع إلى التدريس والإفادة بمسقط رأسه سلا ، حيث أسس مدرسة تخرج منها عدد من نجباء طلبة المدينة ، وبقي يدرّس إلى أن لقي ربه في صبيحة يوم الاثنين سادس صفر الخير عام تسعين وثلاثمائة وألف بالدار البيضاء ، ودفن بمقبرة الشهداء باغبيلة من المدينة المذكورة .
هامش
( * ) « سلّ النصال » لابن سودة ص : 209 .