قالوا : في غد ، فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت : يا أحمد بن طولون ، فلمّا رآها عرفها فترجّل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها : ملكتم فأسرتم ، وقدرتم فقهرتم ، وخلوتم فعسفتم ، وردّت إليكم الأرزاق فقطعتم ، هذا وقد علمتم أنّ سهام الأسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجعتموها ؟ ؟ ؟ ، وأكباد جوّعتموها ، وأجساد عريتموها ، فحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم ، اعملوا ما شئتم فإنّا صابرون ، وجوروا فإنّا باللّه مستجيرون ، وأظلموا فإنّا للّه متظلّمون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ، فعدل لوقته .
ومرضت نفيسة بعد أن قامت بمصر سبع سنين ، فكتبت إلى زوجها إسحاق المؤتمن كتابا ، وحفرت قبرها بيدها في بيتها ، فكانت تنزل فيه وتصلّي كثيرا ، فقرأت فيه مائة وتسعين ختمة ، وما برحت تنزل فيه وتصلّي كثيرا وتقرأ وكثيرا وتبكي بكاء عظيما ، حتى احتضرت سنة 208 ه وهي صائمة فألزموها بالإفطار وألحوا وأبرموا ، فقالت : وا عجبا منذ ثلاثين سنة أسأل اللّه تعالى ألقه وأنا صائمة أأفطر الآن هذا لا يكون ، ثم قرأت سورة الأنعام وكان الليل قد هدأ ، فلمّا وصلت إلى قوله تعالى :
لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
غشي عليها ثم شهدت شهادة الحق وقبضت إلى رحمة اللّه .
ووصل زوجها إلى مصر وأراد نقلها ، إلّا أنّ أهالي القرية استجاروا بالأمير عند إسحاق ليردّه عما أراد فأبى ، فجمعوا له مالا جزيلا حتى وسق بعيره الذي أتى عليه وسألوه أن يدفنها عندهم فأبى ، فباتوا منه في ألم عظيم ، فلمّا أصبحوا اجتمعوا إليه فوجدوا منه غير ما عهدوه بالأمس ، فقالوا له : إن لك لشأنا عظيما .
قال : نعم رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهو يقول لي : ردّ عليهم أموالهم وادفنها عندهم ، فدفنها في المنزل الذي كانت تسكنه في محلة كانت تعرف قديما بدرب السباع ، وقد بادت هذه المنطقة ولم يبقى سوى قبرها .
ولأهل مصر اعتقاد بها عظيم ، فإنّ الدعاء يستجاب عند قبرها .
ووصف اليافعي مشهدها العظيم فقال : قصدت زيارة مشهدها ، فوجدت عنده عالما من الرجال والنسوان والصحاح والعميان ، ووجدت الناظر جالسا على الكرسي ، فقام لي وأنا