أمسى أرق أرقا شديدا ، فأرسل إلى جروة بنت غالب التميميّة ، وكانت مجاورة بمكة ، وهي من بني أسيد بن عمرو بن تميم ، فلمّا دخلت قال لها : مرحبا يا جروة ، أزعجناك .
قالت : إي واللّه ، لقد طرقت في ساعة ما طرق فيها الطير وكره ، فأرعب قلبي وأرعب صبياني ، وأفزع عشيرتي ، وتركت بعضهم يموج في بعض ، يتراجعون القول ويديرون الأمر ، ويرصدون الكلام خشية منك وخوفا عليّ .
فقال : ليسكن روعك ، ولتطب نفسك ، فإنّ الأمر على خلاف ما ظننت ، إنّي احتجمت فأعقبني ذلك أرقا ، فأرسلت إليك تخبريني عن قومك .
قالت : عن أي قومي تسألني ؟
قال : عن بني تميم .
قالت : هم أكثر الناس عددا ، وأوسعهم بلدا ، وأبعدهم أمدا ، هم الذهب الأحمر والحسب الأفخر .
قال : صدقت ، فنزّليهم لي .
قالت : أمّا بنو عمرو بن تميم ، فأصحاب بأس ونجدة ، وتحاشد وشدّة ، لا يتخاذلون عن اللقاء ، ولا يطمع فيهم الأعداء ، سلمهم فيهم وسيفهم على عدوهم .
قال : صدقت ، ونعم القول لأنفسهم .
قالت : وأمّا بنو سعد بن زيد مناة ، ففي العدد الأكثرون ، وفي النسب الأطيبون ، يضرون إن غضبوا ، ويدركون إن طلبوا ، أصحاب سيوف وحجف « 1 » ، ونزّال وزلف ، على أنّ بأسهم فيهم وسيفهم عليهم .
وأمّا حنظلة ، فالبيت الرفيع ، والحسب البديع ، والعزّ المنيع ، المكرمون للجار ، والطالبون بالثار ، والناقضون للأوتاد .
قال : إنّ حنظلة شجرة تفرّع .
هامش
( 1 ) - حجف ، يقال للترس إذا كان من جلود ليس فيه خشب ولا عقب : حجفة ودرقة . الصحاح 4 : 1341 « حجف » .