حفظ « الشاطبية » ، ثم حفظ « طيبة النشر » للإمام الجزري و « الدرّة » ، فجمع القراءات من الطريقين الصغرى والكبرى ، ثم رحل لحلب وحمص وحماة ، فدرس على شيوخها ، وأولع بحب العربية : فحفظ « الآجرومية » ، و « نظم العمريطي » ، و « ألفية ابن مالك » ، ثم حفظ متون الفقه الشافعي على مشايخه ؛ ثم حبب إليه علم الحديث الشريف ؛ فحفظ « البيقونيّة » ، و « ألفية السيوطي » « ومنهاج النووي » و « ألفية العراقي » ، وذكر أنه يحفظ ستين كتابا من كتب العلم المتنوعة ، وأنه لم يدع علما من العلوم النافعة ، إلا وحفظ فيه متنا أو أكثر ، وقرأ شروحه على الشيوخ .
وكان يداوم على مراجعتها باستمرار ، ويضع لمراجعتها برنامجا ؛ وكان يحب أن يقرأها على الطلبة لما في ذلك من الاشتغال بها ، ونشرها ، ودوام استحضارها .
ولما عاد إلى بيروت بعد رحلته الطويلة ، عين مدرسا في الكلية الشرعية « الأزهر » لمدة طويلة ؛ تنوف على العشرين عاما ، وتخرج على يديه المشايخ والمفتون والقضاة ، ثم اعتزل التدريس ، ولزم منزله ؛ فصار يقصده العلماء والطلاب للاستفادة من علومه .
وكان - رحمه اللّه - شديدا في الحق ؛ لا يخاف في اللّه لومة لائم ، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ؛ ملتزما دائما بأوراد وأذكار ، وكان مجلسه عظيم الفائدة ؛ لا يغشاه إلا العلماء والصلحاء .
وكان محبا للكتب ؛ متابعا لما يصدر منها ، حريصا على اقتنائها ، وقد حوت مكتبته ذخائر كتب مع المعرفة التامة بمضامينها ، وقراءة كثير منها ويحفظ أماكن وجودها ، ويعرفها باللمس ، ويحفظ أماكن المسائل فيها بحفظ المجلد والجزء والصفحة والسطر .
ويستحضر كل ذلك عند الحاجة ، بشكل يعجز عنه الوصف ، ويثير العجب .
وكان قد افتتح داره الرحبة في وجه طلاب العلم ، وخصص - في منزله - غرفة للإقراء سماها « الزاوية » فيها مكتبة صغيرة لأهم المراجع التي لا يستغني عنها الشيخ في البحث ، ويخصص لكل طالب درسا مقررا في الأسبوع يحفظ خلاله المقرر ، ويسمعه على الشيخ ، ثم يستمع الطالب لشرحه .
وكان مرجعا للمفتين والعلماء ؛ يستفتونه في الملمّات ، وعند الخلاف ؛ فيجيبهم بذهن حاضر ، ويستحضر الفتاوى بسرعة عجيبة من ذاكرته ، ويطلب من المستفتي التأكد من صحة الفتاوى في المصادر ، ويذكر له الجزء والصفحة والسطر .
وكانت مجالسه تفيض بفيض من الرحمة والسكينة ، وكان يقول لجلسائه :
هل تشعرون معي ؟ فيسألونه : وما ذا تشعر يا فضيلة الشيخ ؟ فيقول : أشعر كأنني في الجنة ، وأنني أكاد أطير فرحا بهذا المجلس ، وأنني أجالس الحفاظ الكبار : العراقي وابن حجر والنووي وابن الصلاح ، ويدعو اللّه أن يجمعهم جميعا بهم في الآخرة كما نفعهم بعلومهم في الدنيا .
وقد أصيب الشيخ في آخر عمره بوعكة صحية أوقفته عن التدريس ، وألزمته الفراش قرابة عام كامل « 1 » وتوفي عن عمر ناهز السبعين عاما .
حسن حسن صعب ( 1341 - 1411 ه - 1922 - 1991 م )
مفكر ، باحث ، كاتب .
ولد في بيروت ، وتابع دراساته الجامعية في مصر والولايات المتحدة الأمريكية ، وحصل على الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1956 م .
تنقّل في وظائف دبلوماسية عديدة بوزارة الخارجية والمغتربين ، وفي البعثات الدبلوماسية اللبنانية في باريس وإستانبول وواشنطن .
ودرّس العلوم السياسية في أكثر من جامعة لبنانية .
عمل عميدا بكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ، ورئيسا لندوة الدراسات الإنمائية ، كما كان مستشارا ثقافيا في السفارة اللبنانية في واشنطن ، إلى جانب كونه أستاذا للعلوم السياسية في الجامعتين اللبنانية والأمريكية في بيروت « 2 » .
حسن صعب
من أعماله :
- الإسلام تجاه تحديات الحياة العصرية . - بيروت : دار الآداب ، 1385 ه ، 198 ص .
- إسلام الحرية لا إسلام العبودية . - ط 2 . - بيروت : دار العلم للملايين ، 1399 ه ، 144 ص .
- الإسلام والإنسان . - بيروت : دار العلم للملايين ، 1401 ه ، 160 ص .
- الإسلام وتحديات العصر . - ط . - بيروت : دار العلم للملايين ، 1391 ه ، 280 ص .
ط 6 . - بيروت : دار العلم للملايين .
هامش
( 1 ) ملحق التراث ( لصحيفة المدينة ) ع 9053 - 24 / 8 / 1412 ه بقلم يوسف عبد الرحمن المرعشلي ، وله ترجمة في « الرسالة الإسلامية » ع 99 ص 51 وع 118 ص 60 المصدر الأخير حسن محمد دمشقية .
( 2 ) الفيصل ع 165 ( ربيع الأول 1411 ه ) ، دليل الإعلام والأعلام في العالم العربي ص 489 .