الشريف . ومنذ القرن الثالث الهجري ، أخذت مدينة النجف الأشرف في البروز ، وقد أشار إليها الشاعر إسحاق بن إبراهيم الموصلي بقوله « 1 » :
ما أن رأى الناس في سهل ولا جبل * أنقى هواء ولا أعذى من النجف
كأنّ تربته مسك يفوح به * أو عنبر دافه العطّار في صدف
يحوطه الحسن من شتّى جوانبه * فالبرّ من طرف والبحر من طرف
وبين ذاك بساتين ، يسيح بها * بهر تجيش مجاري سيله القصف
وما يزال نسيم في إباحته * يأتيك منه بريّا روضه الأنف
تلقاك منه قبيل الصبح رائحة * تشفي السقيم إذا أشفى على التلف
ما حلّ مدنف ، يرجو الشفاء به * إلّا شفاه من الأسقام والدنف
يؤتي الخليقة منه كلما طلعت * شمس النهار ، بأنواع من التحف
والصيد منه قريب ، إن هممت به * يأتيك مؤتلفا في زيّ مختلف
فيا له منزلا طابت مساكنه * بخير من حاز بيت العزّ والشرف
وكان إسحاق الموصلي دقيقا في وصف النجف وما تمتاز به من طبيعة خلّابة وموقع فريد ذي إطلالة على بحر النجف من جانب وعلى ( خد العذراء ) من جانب آخر . وقد أعطى هذا الموقع للمدينة مناخا عليلا مما جعلها مقصدا للخلفاء العباسيين .
وقد جمعت النجف في هذه الفترة أكثر من خاصية : فهي مرقد أمير المؤمنين عليه السلام ، ومقبرة المؤمنين حوله ، وهي الطريق المؤدي للديار المقدسة ، وهي مقصد الثائرين وملجأ الخائفين . ولذلك كانت النجف منذ القرن الثالث الهجري بين عناية الحكّام والخلفاء وبين غضبهم منها وحقدهم عليها وعلى أبنائها .
ففي عام 236 ه ، قرر الخليفة محمد المنتصر أداء فريضة الحج ، ومعه جدته شجاع أم المتوكل ، وقد شيعها الخليفة نفسه إلى مدينة النجف « 2 » . ولما وصلت مدينة الكوفة ، أمرت
هامش
( 1 ) صالح شمسة : بحث مخطوط عن النجف / ورقة 2 - 3 .
( 2 ) الطبري : التاريخ 9 / 185 ، ابن الجوزي : المنتظم 11 / ورقة 102 ب .