تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
بالمرموقين من رجال الدولة فتحت له باب الاشتراك في العمل السياسي والإداري فانتخب عضوا في المجلس الأكبر سنة 1277 / 1861 وسافر سنة 1288 / 1872 إلى استانبول ضمن البعثة السياسية برئاسة خير الدين لتمتين العلائق وتنظيمها بين تونس والدولة العثمانية ، وكان هو المتولي للمفاوضات في تنظيم العلاقات من الناحية الدينية مع شيخ الإسلام . وسافر إلى إيطاليا التي أقام بها ست سنوات مع صديقه الوزير الجنرال حسين للخصام مع ورثة قابض مالية الدولة التونسية اليهودي اللص نسيّم شمّامة ، وهناك أجاد اللغة الإيطالية ويروى عنه أنه كثيرا ما يقول كلمة قراتسي الإيطالية ( أحسنت ) في دروسه ، ومنها سافر إلى باريس بمناسبة انعقاد المعرض العالمي بها ، وهذه الرحلات وسعت أفق تفكيره ، وجعلته عارفا بزمانه وبمقومات الحضارة الغربية وتخلف العالم الإسلامي في ركود مما دعاه إلى الإصلاح والدعوة إلى إدخال النظم والآراء التي لا يعارضها الإسلام . وفتح بدروسه آفاقا جديدة ، فكان معرضا عن المناقشات اللفظية العقيمة ، مستقل الفكرة في بحثه ، ولوعا بمناقشة الآراء وابتكار الأنظار ، وله قوة التحليل وبراعة النقد والاحتجاج ، فكانت دروسه رياضا مونقة يقبل عليها المستفيدون بنهم ولذة عقلية ، وكان من أول الناعين على متأخري الفقهاء التمسك بظواهر النصوص ، وإهمال تحقيق المناط ، ومن الداعين إلى تحقيق النظر لإبراز مقاصد الشريعة وتطبيقها على الأحوال الحاضرة ، وداعيا إلى إصلاح التعليم الديني لتخريج الاكفاء للقيام بهاته المهمة ، فلذلك أبدى تحمّسا وانحيازا لإدخال العلوم الرياضية والطبيعية في برنامج التعليم بجامع الزيتونة ، ولهذه الغاية أيد تأسيس الجمعية الخلدونية وبهذا يتبين أنه كان في طليعة المصلحين الإسلاميين ، وفي زورتي الشيخ محمد عبده إلى تونس كان من المؤيدين له وأعجب كلّ منهما بصحابه ، واستحكمت بينهما صلات التعاون في العمل إلى آخر حياته . ولم يقتصر على نشر مبادئه الإصلاحية بواسطة الدروس فقط بل
تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 79 | محمد محفوظ