تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
ونظرا لمكانته العالية ، ومنزلته العلميّة الرفيعة ، فقد كرّم من قبل الأمراء السامانيين في سمرقند وبنى له أحدهم دارا لأهل العلم ، ولا سيّما طالبي الحديث ، الذين كانوا يقصدونه للأخذ عنه . ولقد كان لهذه المنزلة التي تبوّأها ابن حبان ، أثر في إشعال نار الغيرة والحسد ، عند بعض معاصريه الذين صاروا يترصّدون هفواته للطعن به . فكان لهم ما أرادوا حينما صرّح مرّة في تعريفه للنبوّة ، فقال : إنّها مزيج من العلم والعمل . فاتّهم بالزندقة ، وكتب فيه إلى الخليفة ، الذي أمر بقتله ، ولكنّه تخلّص من ذلك وسلم . ومع هذا فقد أثّر هذا الاتّهام على ابن حبان ومنزلته عند الناس ، لا سيّما وأنّه أخذ عليه أيضا تصريحه في مقدّمة كتابه [ الثقات ، 1 / 1 ] بإنكاره « الحد لله » فثارت ثائرة الذين أثبتوا « الحد لله » ، فأخرجوه من سجستان التي عاش فيها لسنوات عديدة منفيا عنها . ويرى الذهبي ، أنّ كلا من ابن حبان ومعارضيه مخطئون ، لأنّ موضوع إثبات الحد أو نفيه من المواضيع التي لا يجوز الخوض فيها ، لا سيما وأنّه لم يأت نص بترجيح أو إثبات ذلك ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه [ تذكرة الحفاظ ، 3 / 921 ] . ولكن العلماء المحققين أنصفوه فتبرّأوا ممّا اتّهم به ، ونفوا عنه ما يسقط عدالته والثقة به وحملوا تعابيره الغامضة التي دخلت عليه من علم الكلام على وجوه من التأويل مستساغة . ومن هؤلاء السبكي ، وابن كيكلدي العلائي ، وقد هاجما بعبارات حادّة من جرحه بدعوى ضعف الدين والزندقة [ السبكي ، طبقات الشافعية ، 31 / 132 - 133 ] . وعلى الرغم من إشارة المصادر الأوّلية إلى أنّ عملية طرد أو إخراج ابن حبان كانت من سجستان ، إلّا أنّ سزكين يذكر ، أنه أبعد من سمرقند نتيجة لآرائه المزعجة [ تاريخ التراث العربي ، م 1 ، 1 / 380 ] . وكذلك بروكلمان ، الذي يضيف إلى أنّه هاجر بعد ذلك إلى نسا ونيسابور ، ثم رجع أخيرا إلى سمرقند فاستوطنها ، وتوفّي بها [ تاريخ الأدب العربي ، 3 / 205 ] . وهذا غير دقيق ، لأنه توفّي في بست ، وعلى أي حال ، فمن المرجح أن منزلة ابن حبان لم تتأثّر بهذا النفي ، فكان مقصد الطلبة والدارسين في كل مكان يحل به ، وكانت الرحلة تتمّ إلى مصنّفاته في خراسان وسجستان ، التي عاد إليها سنة 340 ه / 951 م ، حيث كان يستقبل العلماء من مختلف البلدان ، ليأخذوا عنه إجازات برواية كتبه التي بلغت نحو ستين مؤلفا بين صغير وكبير . لكن معظم هذه الكتب ، التي كانت قد وقفها في دار ابتناها لهذا الغرض ، فقدت بعد فترة وجيزة من وفاته . أسهم ابن حبان في تدوين السنة بقدر ملحوظ ، فقد كان كثير التأليف في معظم مجالات الرواية كأحاديث الأبواب ، والشيوخ ، والأقران ، ومفاريد الأمصار . وأهمّ ما خلّد ذكره في هذا الشأن كتابه الصحيح الذي نهج فيه طريقة في الجمع مبتكرة لم يسبق إليها ولم يتابع عليها ، تقوم على التقاسيم والأنواع لا على الأبواب والمسانيد ، وهو من المصادر المعتبرة للصحيح والحسن ، وفيه ما لم يخرّجه الشيخان . ولأهمّيته الحديثية اعتنى به الباحثون فقارنوه بأشهر مصنّفات عصره كصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم ، ورتّبوا