وأدركن أعجازا من الليل بعدما * أقام الصلاة العابد المتحنّف
وما أبن حتّى قلن : يا ليت أنّنا * تراب وليت الأرض بالناس تخسف
ويبدو خبيرا بمشاعر المرأة عارفا بالمداخل إلى قلبها ، فهو يرى أنّ الرجل الجلف البدين الثقيل لا تهيم به الحسان ، ولكنهن يهمن بمن كان رقيقا لطيفا خميص البطن ، يقول :
ولن يستهيم الخرّد البيض كالدمى * هدان ولا هلباجة الليل مقرف
ولكن رفيق بالصّبا متبطرق * خفيف ذفيف سابغ الذيل أهيف
ولعلّه في وصفه الرجل الذي يستهوي المرأة يعني نفسه ، ممّا يدلّ على أنّه كان أهيف ناحلا خفيف الظل رشيقا غزلا يستهوي النساء .
وظلّ على كلفه بالنساء إلى آخر عمره ، وهو لا يتردّد في ذكر حبّه لامرأة تدعى « حميدة » مؤكّدا ما كان بينهما من لقاء ، يقول :
لولا « حميدة » ما هام الفؤاد ولا * رجّيت وصل الغواني آخر العمر
أحببته فوق ما ظنّ العداة بنا * حبّ العلاقة لا حبا على الخبر
وقد عمر حتّى أسنّ ، وأصبح قعيد البيت ، وابيضّت عيناه ، وغدا عبئا على أولاده ، ولم يلق منهم الرعاية ، ورد ذلك إلى زوجاته اللواتي ضقن به ذرعا ، ولا سيّما عندما أوصى أولاده بالضرائر ، يقول :
وأصبحت قد جمّحت في كسر بيتكم * كما جمّح الضبعان بين السخابر
بعينين ملحاوين أخنى عليهما * مرور الليالي كابرا بعد كابر
أطعتم بني الكنات حتّى رمين بي * على خفض مستمسكا بالمشاجر
وقلن أبوكم شقوة لحقت بكم * كذبن ، ولكن هنّ إحدى النظائر
ولكن سمعن الشيخ قد قال قولة : * عليكم إذا ما ربنكم بالضرائر
ويبدو أنّه لم يتّعظ من عيشه البائس بين ضرّتين ، فنصح لأولاده بالضرائر .
وليس في شعر جران العود مديح ولا هجاء ، ومعظمه يدور حول حياته مع زوجتيه ومغامراته وتقدّمه في العمر ، ممّا يعني أنّ شعره كان ذاتيّا ، يعبّر فيه عن وجدانه . وتميل القصيدة عنده إلى الطول ، وتكاد تستقلّ بموضوعها ، فلا تتعدّد فيها الأغراض ، ونادرا ما يستهلها بذكر الأطلال . وأجمل شعره ما قاله في زوجتيه وفي مغامراته ، ويمثّل النوع الأول قصيدته الحائية وتقع في ثمانية وأربعين بيتا من الطويل ، ولا تخلو من مرح ودعابة مرة ، ويمثّل النوع الثاني قصيدته الفائية وتقع في ثمانية وسبعين بيتا من الطويل ، وتمتاز بالرقة والعذوبة ، وفيها يذكر لقاءه بالصبايا ، ويغلب عليها أسلوب القص ، وقد كتبها بأخرة من حياته ، ولا تخلو من مبالغة في الإعجاب بالذات والإسراف في تصوير إعجاب النساء به ، ولعلّها تعويض عن بؤس عيشه مع زوجتيه ، أو استرجاع حلم جميل لأيام الشباب المولي .
وتشبهها قصيدة لعمر بن أبي ربيعة ( 23 ه / 643 م - 93 ه / 711 م ) يحكي فيها عن زيارته