وكانت إحداهما تضربه بالعصا ، وتطارده حتّى يغمى عليه ، يقول :
تداورني في البيت حتّى تكبّني * وعيني من نحو الهراوة تلمح
وقد علّمتني الوقذ ثم تجرّني * إلى الماء مغشيّا عليّ أرنّح
وكانت الأخرى قبيحة تصطنع المرض ، ولا تمشط شعرها ، ناحلة ، ساقها مثل النعامة ، ما تفتأ تشتمه وتضربه بالحجارة ، يقول :
تصبّر عينيها وتعصب رأسها * وتغدو غدوّ الذئب والبوم يصدح
ترى رأسها في كل مبدي ومحضر * شعاليل لم يمشط ولا هو يسرّح
لها مثل أظفار العقاب ومنسم * أزجّ كظنبوب النعامة أروح
أجلّي لها عمّا بعيد وأتّقي * حجارتها حقّا ولا أتمزّح
ولذلك لجأ إلى جران العود فجعل منه سوطا ، ويبدو أنه كان يلوّح به ويهدّد ، ولم يكن يستخدمه ، ولعلّه كان يبالغ نوعا ما ويمزح ، وإن نفى عن نفسه المزاح .
وكان كلفا بالمرأة ، خبيرا بها ، وهو يؤكّد أنّ النساء لسن سواء ، ففيهنّ من هي مثل روضة باكرها الندى فهي لا تتغيّر ، وفيهنّ من هي مثل قيد من جلد قذر مملوء بالقمل من الصعب الفكاك منه ، يقول :
ولسن بأسواء فمنهن روضة * تهيج الرياض غيرها ، لا تصوّح
ومنهن غلّ مقمل لا يفكّه * من القوم إلّا الشحشحان الصرنقح
ويبدو على قدر غير قليل من الغرور ، فقد صوّر المرأة تطريه ، فتذكّر أنه معروف في القبيلة ، وشعره قوي يتلقّفه الناس ، وهو جواد كريم يبذل المال ، ثمّ إنّها تحدّد له مكان لقائها وزمانه ، يقول على لسان إحداهنّ :
حمدت لنا حتّى تمناك بعضنا * وأنت امرؤ يعروك حمد فتعرف
رفيع العلا في كل شرق ومغرب * وقولك ذاك الآبد المتلقّف
ونلقى كأنّا مغنم قد حويته * وترغب عن جزل العطاء وتسرف
فموعدك الشطّ الذي بين أهلنا * وأهلك حتّى تسمع الديك يهتف
ويذكر عهد الصبا وما كان له من مغامرات يلتقي فيها الحسان ، فيحملنه إلى مكان مرتفع ، ليستمتع بأحاديثهنّ ، وندى الليل يهمي عليهم ، ويظلّ معهن على هذه الحال حتّى يؤذّن لصلاة الفجر ، يقول :
حملن جران العود حتّى وضعنه * بعلياء في أرجائها الجنّ تعزف
فبتنا قعودا والقلوب كأنّها * قطا شرّع الأشراك ممّا تخوّف
علينا الندى طورا وطورا يرشّنا * رذاذ سرى من آخر الليل أوطف
ينازعننا لذا رخيما كأنّه * عوائر من قطر حداهنّ صيّف