علماء المدينة في مسائل استعصت عليهم أجوبتها . فعرضها على سالم بن عبد اللّه ، والقاسم بن محمد ، فأبيا أن يجيباه ، فقال لهما : « أنا بموضع جفاء في هذا المغرب ، وإنّهم حمّلوني هذه المسائل ، وقالوا لي : إنّك تقدم المدينة وبها أبناء أصحاب النّبيّ عليه السّلام ، فسلهم ؛ وإنّكما إن لم تفعلا ، كانت حجّة لهم فما شئتما » . فقال القاسم : « سل » ، فسألهما فأجاباه . واتّجه بعد ذلك إلى سليمان بن يسار ، فجمع عنه المسائل ، فاجتمعت له من هؤلاء الثّلاثة حصيلة وافرة من قضايا الفقه وأحكامه ، دوّنها في كتاب .
ويعتبر التجيبي من الروّاد في إفريقيّة في إدخال فقه المدينة عن ذلك الثّالوث . وقد نسب إليه الشّيخ محمد الشاذلي النيفر نشر العلم هناك قبل دخول بعثة عمر بن عبد العزيز إليها .
لذلك اعتبره ذلك الباحث « من أوّل المؤسّسين للمدرسة الإسلاميّة » يعني مدرسة مدينة تونس .
وبفضله تفوّقت تونس علميّا على القيروان .
وتواصل ذلك التّفوّق بفضل أحد تلاميذه ، نعني علي بن زياد . فقد كان الطّلبة ينتقلون من القيروان إلى تونس للتّعلّم عليه .
عادلت تونس القيروان عسكريّا وربّما نافستها . فقد كانت تقيم بها حامية عسكريّة قويّة تتكوّن أساسا من الجند العربي ، ويتولّى رئاستها سنة 102 ه / 721 م محمد بن أوس الأنصاري . والرّاجح أنّ التجيبي كان من المشاركين في نشاطها العسكري . يؤيّد ذلك ما ذكره المالكي . فقد كانت للتجيبي « مقامات في الدّين شهد بها مغازي كثيرة ، وأبلى فيها بلاء كثيرا » .
وعندما قتل والي إفريقيّة يزيد بن أبي مسلم سنة 102 ه / 721 م ، استنجد أهل القيروان بابن أوس وعيّنوه واليا على إفريقيّة . وقد كلّف ابن أوس ، على الأرجح ، التجيبي بقيادة سفارة إلى الخليفة يزيد بن عبد الملك تعلمه بما حدث بإفريقيّة . « فلمّا وصل إليه قرّبه ( الخليفة ) وأدنى مجلسه واستشاره فيمن يوليه ، فأشار عليه ، فقبل قوله وولّى الّذي أشار به » .
وبذلك ولّي إفريقيّة بشر بن صفوان . والرّاجح أنّ هذا الحدث جعل التجيبي مرهوب الجانب لدى بشر بن صفوان ، ولدى من أتى بعده من الولاة . وفي هذا الإطار تأتي محاولة الوالي عبيد اللّه بن الحبحاب ليعيّنه على القضاء .
فقد ذكر الذّهبي وابن العماد الحنبلي أنّ التجيبي ولّي قضاء إفريقيّة ، في حين أنّ الخشني لم يذكره ضمن قضاة القيروان .
ويحتمل أن ارتقى إلى ذلك المنصب ، على الأقلّ خلال مدّة وجيزة . وربّما يؤيّد ذلك مساهمته في محاربة الصفريّة يوم القرن .
ويقال إنّه قتل قائدهم ابن عم عبد الواحد الزّناتي الصفري .
ومهما يكن من أمر ، فالرّاجح أنّ التجيبي كان موصوفا بالورع عند تعامله مع السّلطان . من ذلك أنّه رفض هديّة بعثتها إليه أمّ ولد موسى بن نصير . أكدّت المصادر أيضا ميله إلى التّعبّد . فقد وصفه الذّهبي بأنّه « فقيه عابد » ؛ بينما قال فيه المالكي إنّه « كان من العلماء الرّاسخين في العلم ، والعباد المجتهدين ، اشتهرت إمامته بالمشرق والمغرب » .
ذكر أيضا المالكي « أنّه كان مشهورا بإجابة الدّعوة » . كما عرفنا بدعاء « كان يدعو به لا يكاد يفارقه » . وقد حفظه عنه عباد إفريقيّة .
وقد شاهد المالكي نصّ ذلك الدّعاء بالمنستير بخطّ محمد السبائي .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 428
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٢٨