تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
عليهم ، وقاموا إليه ، واستند إلى المحراب وتكلّم في العلم الذي لقب فيه والفن الذي عقد بنواصيه ، والضرب الذي أحاط به من جميع نواحيه . . . وكان في نفسي أن أختلف إليه وأغترف مما لديه ، فقامت العوائق تدفع في صدري الأماني والأسفار تسيرني سير السواني » [ دمية القصر وعصرة أهل العصر ] . وذكره محمد بن هلال ، وقال : « لولا شراسة خلق كانت منه على من يقرأ عليه ويستمليه لكانت له آثار باقية وكتب مروية ، لما كان فيه من الفضائل القوية » . قال عنه السيوطي : وكان زاهدا ، عرف الناس منه ذلك ، وإلّا لكانوا رموه بالحجارة لهيئته ، وكان يتكبّر على أولاد الأغنياء . وإذا رأى الطالب غريبا أقبل عليه ؛ وكان متعصّبا لأبي حنيفة ، محترما بين أصحابه . ويتّضح من خلال عدة أخبار عن ابن برهان العكبري ، أنّه كان لا يقبل من أحد شيئا ، فقد جاء أنّ الوزير عميد الدين قد ورد بغداد ، واستحضر ابن برهان ، فأعجبه كلامه ، فعرض عليه مالا فلم يقبله فأعطاه مصحفا بخط ابن البواب وعكازة حملت إليه من الروم مليحة فأخذهما . فقال له أبو علي بن الوليد المتكلم : أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها ، فلم تأخذ شيئا فيه شبهة ؟ فنهض ابن برهان في الحال إلى قاضي القضاة ابن الدامغاني وقال له : لقد كدت أهلك حتّى نبهني أبو علي بن الوليد وهو أصغر سنّا منّي ، وأريد أن تعيد هذه العكازة والمصحف إلى عميد الدين فما يصحباني ، فأخذهما وأعادهما إليه . كان ابن برهان العكبري ، إذا ذكر المتنبي يعظّمه ، وهذا مؤشر على سلامة ذوقه الشعري وحسن فهمه وإدراكه للشعر الحقيقي ، ولا غرو في هذا فابن برهان نفسه كان شاعرا وقد ذكر أبو الفرج الغندجاني شعرا له ، منه هذه الأبيات من المتقارب :
أحبّتنا بأبي أنتم * وسقيا لكم أينما كنتم أطلتم عذابي بميعادكم * وقلتم نزور وما زرتم فإن لم تجودوا على عبدكم * فإن المعزّى به أنتم
وعرف عن ابن برهان أنّه كان يخرج من داره وقد اجتمع على بابه من أولاد الرؤساء جماعة فيمسي وهم معه ، ويلقي على ذا مسألة وعلى ذا مسألة . وكان ابن برهان محبا للباذنجان ويقول في تفضيله : إنّ الناس يأكلونه ثمانية أشهر في العام ، وهم أصحّاء ، ولو أكلوا الرمان أربعة أشهر فلجوا . وورد عن ابن برهان قوله : لو كان علم الكيمياء حقا لما احتجنا إلى الرسل والبريد . ويبدو أنّ ابن برهان كان حريصا على متابعة أمور تلاميذه الذين يحضرون حلقته ، إذ لدينا ما يفيد أن تلميذا له قد انقطع عن حلقته ، فسأل عنه ، فقيل له إنّ عميد الملك اعتقل والده فانحدر إلى باب المراتب فصادف الكندري جالسا فحين رآه أقبل عليه مسلّما ، والناس من حوله فقال له ابن برهان : « فيك الخصام وأنت الخصم والحكم » ، فوجم الكندري ، وسأل عمن في حبسه ، فأخبر بالرجل ، وأن ولده يغشى مجلس الشيخ للاقتباس فأطلقه ووهبه ما كان عليه ، وكان ثمانية عشر ألف دينار » .