528 ه / 1133 م ، سجل المرابطون صفحات مشرفة من الجهاد في سبيل الله دفاعا عن الدين والوطن ، منحت الأندلس ميزة التفوق على الأعداء لسنوات طويلة .
وأمّا الحركة العلميّة والأدبيّة ، فقد ظلت تحتفظ بكثير من الخصائص والأساليب التي كانت عليها أيّام حكام الطوائف ، وإن النصف الأوّل من القرن السادس الهجري ، وهو الذي يستغرق عصر المرابطين يحفل بجمهرة كبيرة من رجال العلم والأدب ، احتفى بهم سلاطين الدولة المرابطيّة ، وبذلوا لهم رعاية خاصة وقدّموا أماثلهم لمناصب الوزارة والكتابة والخدمة في بلاط دولتهم في المغرب والأندلس . وأبو العباس الأقليشي واحد من تلك الجمهرة الذين برزوا في ميدان العلم ، وأخذ مكانه بينهم ، فكان كما يقول السلفي [ أخبار وتراجم أندلسيّة ص 24 و 25 ] : « من أهل المعرفة باللغات والأنحاء والعلوم الشرعيّة ، محمود الطريقة ، فصيحا ، ومن أهل الأدب والورع والمعرفة بعلوم شتّى . . . وله شعر جيد ومؤلّفات حسنة » ، وقال ابن الآبار : [ التكملة ، 1 / 61 ] : « كان عالما عاملا ، متصوفا ، شاعرا مجودا ، مع التقدم في الصلاح والزهد والعزوف عن الدنيا وأهلها ، والإقبال على العلم والعبادة » .
وقد وصف غير واحد إمامته ، وورعه ، وزهده .
جلس للتدريس بدانية وغيرها من مدن الأندلس ، وكانت تقرأ عليه كتب الحديث والتصوف وغيرها . وغالبا ما كان يعقد مجالسه العلميّة في بيته ، وكان الطلبة يدخلون عليه والكتب عن يمينه وشماله ، وكثيرا ما كان يضع يده على وجهه إذا قرأ القارئ حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو كتب الزهد والرقائق ، فيبكي حتّى يعجب الناس من بكائه [ ابن الآبار ، 1 / 61 ] .
رحل إلى المشرق على كبر في سنة 542 ه / 1147 م مرافقا لصهره أبي الحسن طارق بن يعيش ، فأدّى الفريضة وجاور بمكة سنين ، ورحل سنة 546 ه / 1151 م إلى مصر ، فدخل الإسكندريّة ، ولقي بها أبا الطاهر أحمد بن محمد السلفي ( ت 576 ه / 1180 م ) وقرأ عليه كثيرا ، وكتب عنه فوائد [ أخبار وتراجم أندلسيّة ص 25 ] ، وعاد إلى مكّة سنة 547 ه / 1152 م فسمع بها من أبي الفتح عبد الملك بن عبد اللّه الكروخي ( ت 548 ه / 1152 م ) جامع الترمذي برباط أم الخليفة العباسي .
ولأبي العباس شعر كثير جيد روي عنه ، ومن ذلك قوله [ ابن الآبار ، 1 / 61 - 62 ] :
أسير الخطايا عند بابك واقف * له عن طريق الحق قلب مخالف
قديما عصى عمدا وجهلا وغرّة * ولم ينهه قلب من اللّه خائف
تزيد سنوه وهو يزداد ضلّة * فها هو في ليل الضلالة عاكف
تطلع صبح الشيب ، والقلب مظلم ، * فما طاف منه من سنى الحق طائف
وقال السلفي [ أخبار وتراجم ، 25 ] أنشدني أبو العباس لنفسه ، وكتب بخطه :
كان حقّي ألا أذكّر غيري * إنّما ما كفيت شرّي وضيري