أطفيّش ، محمّد بن يوسف ( 1236 ه / 1820 م - 1332 ه / 1914 م )
هو محمد بن يوسف بن عيسى أطفيّش العدوي الجزائري ، وينتهي نسبه إلى عديّ بن كعب القرشي - جدّ أبي حفص عمر ابن الخطاب ( رض ) . ( انظر دلالة أطفيش في المدخل السابق : أطفيش ، أبو إسحاق إبراهيم ) .
ولد في بلدة « يزقن » بوادي ميزاب من الجزائر سنة 1818 م ، توفي والده وهو في الرابعة من عمره وكان تاجرا ، فتولت أمّه تربيته ورعايته وعهدت به إلى شيخ حفظ على يديه القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات ، ممّا دلّ على نبوغه وذكائه وقوّة ذاكرته ، ودفعه النجاح المبكّر إلى الانصراف لطلب العلم ، وكانت بلدته - بني يزقن - في ذلك العهد مركزا علميّا معروفا يستقطب الطلبة منذ عهد الشيخ عبد العزيز الثميني في القرن الثامن عشر ، وعهد طلبته الذين أدركهم الشيخ أطفيّش وأخذ عنهم ، وكان أخوه الأكبر إبراهيم بن يوسف واحدا منهم ، وكان قد رحل إلى المشرق يطلب العلم في عمان وفي الأزهر ؛ ثمّ سافر إلى المغرب حيث درس عدّة سنوات ، وبعد وفاة والده عاد إلى مسقط رأسه بني يزقن حيث اشتغل بالوعظ والتدريس .
وكان من تلاميذه أخوه صاحب الترجمة الذي وجد نفسه في محيط علميّ توفرت فيه وسائل التحصيل المعرفي حيث ورثت زوجاته الثلاث مكتبات آبائهنّ ، وكان كلّما سمع بوجود خزانة علمية في مكان ما ، يقصدها ويعتكف بها .
وقد عرف بإعراضه عن مظاهر الحياة كلّها وانقطاعه للعلم وتفرغه إلى درجة الاعتكاف ، كما ألزم نفسه في حياته اليومية بنظام صارم ودقيق ، فيبدأ يومه مباشرة بعد صلاة الصبح بدروس للعامة إلى طلوع الشمس ، ثمّ يتفرغ للتعليم بالنهار ، وبعد صلاة العصر إلى المغرب يجلس في مكتبة يستقبل العامة ويردّ على أسئلتهم ، ثمّ يخصص الوقت الذي يفصل المغرب عن العشاء لتحضير المادة التي يحتاجها لدرس تلك الليلة ؛ ثمّ يتفرغ بعد العشاء للكتابة والتأليف معظم الليل ، ويخصّص الجزء الأخير منه للنوم ؛ ثم يعيد الكرة في اليوم التالي ؛ كما كان حريصا على الصلاة مع الجماعة في المسجد بحيث لا تفوته صلاة في اليوم [ سعد الله ، تاريخ الجزائر الثقافي ، ج . 3 ، ص 265 ] .
والغريب في أمر الشيخ أطفيش هو الاكتفاء بطلب العلم في بلدته بني يزقن ، دون أن يرحل في طلبه خارج الوطن ، وهو موقف يتناقض مع حبّه الشديد للعلم والتعلّم ، ولعلّ وجوده في محيط علمي ثريّ بالمكتبات والخزائن أغناه عن الاغتراب والسفر ، كما أنّه كان على اتصال بالعالم الخارجي عن طريق الكتب ، فقد كان معروفا بنهمه للكتب منذ الصغر وحبه للمطالعة وقراءة كلّ ما يقع بين يديه منها ، وتلقى العلم ببلده على أشهر