على الأشعار ، والشاعر لا يعلن شيئا عن سرّه . . . ولو شئت تتبّع قصائد الديوان وعناوينه البالغة قرابة الخمسمائة قصيدة ، ومقطّعة ( تحديدا 492 عنوانا ) ، لوقعت على عدد مماثل من المعاني والموضوعات الغزلية النسيبيّة . . ولذلك عمدت إلى أهمّ ما توقّف عنده الدارسون والروّاة . . .
في دوام الوفاء للحب ، وتمنّي الأعذار والإساءة ، تسويغا لهجر الحبيب واستعتابه . . .
خمسة أبيات أوردها أبو علي القالي ، في [ الأمالي ، 2 / 287 - 288 ] .
ومنها :
. . . بريّا تمنّى الذنب لمّا هجرته * لكيما يقال الهجر من سبب الذّنب
عدليّة البكاء على الحبيب وجوره ، الأمر الذي جعل الخليفة الواثق يتمثل بشعر العباس في هذا المقام :
عدل من الله أبكاني وأضحكها * فالحمد لله عدل كلّ ما صنعا
اليوم أبكي على قلبي وأندبه * قلب ألحّ عليه الحبّ فانصدعا
[ الأغاني ، 8 / 357 - 358 ]
وكان ابن قتيبة ( ت 276 ه / 889 م ) قد استشهد بقول لشاعر لم ينسبه ، شبيه بما قاله العباس أعلاه :
أرى حبّيك ينمى كلّ يوم * وجورك في الهوى عدلا ، فجوري !
[ الشعر والشعراء ، 2 / 832 ]
مضاء الحب ودوامه ، ويقظة القلب ، في معاناة دائمة :
أشكو الذين أذاقوني مودّتهم * حتّى إذا أيقظوني في الهوى ، رقدوا
لأخرجنّ من الدنيا وحبّهم * بين الجوانح لم يشعر به أحد
ألقيت بيني وبين الهمّ معركة * فليس ينفد حتّى ينفد الأبد
[ طبقات ابن المعتز ، ص 257 ]
شعر الأرق والسهاد :
قفا خبّراني أيها الرجلان * عن النوم ، إنّ الهجر عنه ، نهاني
وكيف يكون النوم أم كيف طعمه * صفا لي النوم لي إن كنتما تصفان
[ الأغاني ، 8 / 358 ]
ومثله قوله في روعة التصوير ، ونقاء السريرة والإشارة الأخاذة :
نام من أهدى لي الأرقا * مستريحا زادني قلقا
لو يبيت الناس كلّهم * بسهادي ، بيّض الحدقا
[ الأغاني ، 8 / 366 ]
بوح الأسرار : أورد الأغاني مقطعين في ذلك ، يتحدث الأوّل عن استراحة العاشق في البوح بسرّه ، والثاني ، يتحدّث عن نقيض ذلك . . . لكأنّ الإباحة والاستتار ، وجهان متكاملان للحب ولا ينمو إلّا بهما معا ، فيصحّ القول فيهما : لا إفراط ولا تفريط ، بل