وأعجب به أبو العتاهية ( ت 211 ه / 826 م ) فحسده على بعض أشعاره ، متمنّيا أن يكون هذا الشعر له لأنه - كما يقول - أشبه بشعره [ الأغاني ، 8 / 380 ] .
ومثل ذلك فعل الأصمعي في استغراب شعر جميل قاله العباس مضيفا ، « ومن أدمن طلب شيء ظفر ببعضه » . . وافقه في ذلك إبراهيم بن العباس بن الأحنف عارضا على الأصمعي أبياتا لوالده ، ناصعة التأثير ، قائلا : « هذا والله ما لا يقدر أحد على أن يقول مثله أبدا » [ الأغاني ، 8 / 356 - 357 ] .
« وكان في العباس آلات الظّرف : كان جميل المنظر ، نظيف الثوب . فاره المركب ، حسن الألفاظ ، كثير النوادر ، شديد الاحتمال ، طويل المساعدة » [ معاهد التنصيص ، 1 / 54 ] .
وعلى الرغم من صداقته وصحبته لبعض الخلفاء ، فقد خلا شعره وسيرته من المجون والتهتّك ما لا نعهده إلّا مع شعراء بني عذرة وأضرابهم .
ومن أخباره المتعلّقة بهارون الرشيد ، اصطحابه له في كثير من رحلاته وتنقّلاته حيث وافقه إلى كل من خراسان وأذربيجان وأرمينية ، ممضيا معه وقتا طويلا . . .
ذكر معظم الدراسين أنّ وفاته كانت سنة 192 ه ، وأنّها تمّت خارج البصرة على طريق الحج . . . بينما ذكر ابن خلكان ( ت 681 ه / 1282 م ) خبرين مختلفين : الأوّل ، أنّ العبّاس مات في بغداد 192 ه ، وأنّ منزله في بغداد كان بباب الشام ، وأنّ أحدهم رآه في بغداد ، بعد موت الرشيد ( ت 193 ه ) في مدينة طوس .
والثاني ، نقلا عن المسعودي ، عن جماعة من أهل البصرة ، قالوا : « خرجنا نريد الحج ، فلما كنا ببعض الطريق ، إذا غلام وقف على المحجّة وهو ينادي : أيها الناس ، هل فيكم أحد من أهل البصرة ؟ قال : فعدنا إليه وقلنا له : ما تريد ؟ قال : إنّ مولاي لما به ، يريد أن يوصيكم ، فملنا معه ، فإذا بشخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يحير جوابا ، فجلسنا حوله ، فأحسّ بنا ، فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفا وأنشأ يقول :
يا غريب الدار عن وطنه * مفردا يبكي على شجنه
كلما جدّ البكاء به * دبّت الأسقام في بدنه
ثم أغمي عليه طويلا ونحن جلوس حوله ، إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة وجعل يغرّد ، ففتح عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر ، ثم أنشأ يقول :
ولقد زاد الفؤاد شجا * طائر يبكي على فننه
شفّه ما شفّني فبكى * كلّنا يبكي على سكنه
ثم تنفّس تنفّسا فاضت نفسه منه . فلم نبرح من عنده حتّى غسلناه وكفّنّاه وتولّينا الصلاة عليه ، فلمّا فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه ، فقال :
هذا العباس بن الأحنف ، رحمه الله » [ وفيات الأعيان ، 3 / 26 ( نقلا عن مروج الذهب ، 4 / 28 ) ] .
وانفرد ابن كثير عن معظم الرواة ، فذكر أنّ العباس قد وافته المنيّة في منزله بالبصرة وهو