أما أسباب وجود الإسناد المنقطع في القرن الأول الهجري / ( السابع الميلادي ) فمن المرجح أنها ترجع إلى كون الشعر يرجع إلى عصر أقدم من عصر الحديث الشريف ، وأن رواة الشعر كانوا أقل ، وأنه لم يكن هناك مانع ديني من رواية الشعر دون ذكر الرواة ، ويرجع هذا أيضا إلى أن طرق الرواية التي كانت ملزمة في علم الحديث لم تنتقل إلى مجال رواية الشعر إلا في وقت متأخر نسبيا .
وقد أشار ابن سلّام الجمحي إلى هذا القصور ، بأن بعض الرواة اكتفوا بنسخ الشعر من كتاب إلى كتاب ، دون أن يتثبتوا منه عند البدو ، أو يقرءوه عند العلماء « 160 » .
ذكر ابن سلّام الجمحي أن حمّادا هو أول من جمع الشعر العربي القديم ، وذكر الأخبار المتصلة به « 161 » . ومن هذا لا يجوز لنا أن نستنتج أن حمّادا الراوية / كان في الواقع أول جامع للشعر ، أو أنه أول من جمع المأثور الشفوى ، ففي مجال علم الحديث - مثلا - عدّ معاصره الذي يكبره بنحو ثلاثين عاما ، وهو الزّهرى ( المتوفى 124 ه / 742 م ) « أول من دوّن الحديث » « 162 » « وأول من أسند الأحاديث » « 163 » . ولكنا نعلم علم اليقين أن المقصود ليس أن الزهري جمع مادة شفوية أو أنه أول جامع لها على الإطلاق ، وإنما تفسير هذه المعلومات أن كلا العالمين كانت له شهرة بوصفه « أول » الجامعين الكبار ذوى الشأن للشعر أو للحديث .
إن تاريخ رواية الشعر العربي القديم يعرف مكانة خلف الأحمر بوصفه مؤسس « السماع » في البصرة « 164 » ، وفي هذا الضرب من ضروب الرواية ما كان مألوفا عند
هامش
( 160 ) انظر : طبقات فحول الشعراء 6 .
( 161 ) انظر : المرجع السابق ص 40 ، وما كتبه نولدكه ، في كتابه في تاريخ القرآن .Noldeke , Geschichtedes Qorans II 6وما كتبه بلاشير ، في تاريخ الأدب العربيBlachere , Histoire 100وفيه أن كلمة ( جمع ) تعنى في مفهومه حفظه في ذاكرته .
( 162 ) انظر : جامع بيان العلم ، لابن عبد البر 1 / 73 ، وفتح الباري ، لابن حجر 1 / 174 .
وانظر أيضا : الأصل الألماني لتاريخ التراث العربيI , 57.
( 163 ) انظر : مقدمة الجرح والتعديل ، لابن أبي حاتم 20 .
( 164 ) انظر : إرشاد الأريب ، لياقوت 4 / 179 .