وأما اختلاف السمك من قبل اختلاف الرياح الهابة عليه في طبيعتها أو كثرتها أو قلتها أو قوتها أو
ضعفها ، فإن ما كان منه يأوي أنهارا تهب عليه منها الريح الشرقية الشمالية ، فهو ألطف وأفضل مما يأوي
أنهارا تهب عليها ريح الغرب والجنوب ، لان ريح المشرق والشمال أيبس وأقل رطوبة وأقوى على تحليل
البخارات المتصاعدة من الأرض ، وإن كانت ريح المشرق في مثل ذلك أقوى وأفضل ، لأنها أحر
بالطبع ، وريح الجنوب والمغرب أرطب وأغلظ وأحقن للبخارات المتصاعدة من الأرض وأمنع من
تحليلها ، وإن كانت ريح المغرب أخص بذلك من الجنوب ، لأنها أبرد .
وما كان من السمك يأوي أنهارا تهب عليها الرياح دائما ، كان أفضل مما كان في أنهار مستورة
من مهب الرياح لان الرياح تحرك الماء وتكثر أمواجه وتزيد في اضطرابه ومصادمة أجزائه بعضها بعضا ،
وتتعب السمك وترض لحمه وترخيه وتفني أكثر لزوجته ورطوبته ، لا سيما إذا كانت الرياح شديدة قوية .
وعدم الرياح يفعل ضد ذلك وخلافه .
وأما اختلاف السمك من قبل ما تحمله الرياح معها جافا ( 1 ) نقيا ذكيا ، كان أحمد مما كان رطبا
وسخا كريها زفرا أو منتنا ، لان الأول منها فرق ( 2 ) البخارات ويحصرها ويغلظ الهواء ويفيده كدورة ونتنا .
وأما اختلاف السمك من قبل صنعته وعمله والوجوه التي يتخذ بها فيكون على ضروب : لان منه
ما يتخذ مشويا ، ومنه ما يتخذ مقلوا بالزيت ، ومنه ما يتخذ مطبوخا إما اللون الساذج المعروف
بالاسفيذباج وإما بالسكباج ، ومنه ما يتخذ مسلوقا ( 3 ) مطيبا بالخل والملح والأبازير . ومن الناس من يجعل
بدل الملح مري سمك . فما اتخذ منه مشويا أو مقلوا ، كان أقل لزوجة ورطوبة وأبعد من إطلاق البطن ،
إلا أنه أعسر انهضاما وأبعد انحدارا وأثقل على المعدة ، وإن كان المشوي أحمد جوهرا لما يستفيده
المقلو من غلظ الزيت ولزوجته ، إلا أن ذلك أسرع انحدارا وأسهل انهضاما . والأفضل في المشوي أن
يشوى على حطب الكرم والبلوط وقضبان الرمان ويؤكل بالمري والزيت ليسهل انهضامه وانحداره وما
طبخ من السمك أسفيذباج كان أسرع لانهضامه وانحداره ، وأهون على إطلاقه للبطن وبخاصة ما طبخ
منه بماء وملح وشئ من زيت وشبث وكراث ، وربما جعل فيه شئ من شراب ريحاني ، وما طبخ منه
سكباج كان أكثر لتبريده وأقل لترطيبه وإطلاقه البطن ، وأبعد لانهضامه وانحداره . وما سلق منه كان أغذي
وأحسن غذاء ، لان أكثر لزوجته ولعابيته تزول عنه في الماء الذي يسلق به ، وبخاصة إذا أكل وهو حار
بزيت مغسول ومري ونعنع وكرفس وسذاب وصعتر وكراويا وفلفل وزنجبيل .
وأفضل أجناس السمك النوع المعروف بالشبوط والمعروف بالبني ( 4 ) والمعروف عند أهل مصر
هامش
( 1 ) كذا في الأصل . وانقطاع السياق واضح ، ولعله ( فإن ما كان منها ) .
( 2 ) كذا في الأصل . ويبدو أن ثمة انقطاعا في السياق أيضا ، إضافة إلى أن ما يغلظ الهواء ويكسبه كدورة ونتنا هو النوع الثاني .
الوسخ لا الأول النقي .
( 3 ) في الأصل : مصلوقا .
( 4 ) البني : جنس أسماك من فصيلة الشبوطيات ، كبيرة الحجم ، يقال لها أيضا : بربيس .