فإن قال قائل : فلم صيرت شوكه أغلظ ليقوى على حمله وإمساكه ؟ قلنا له : إن رطوبة مائه
ورخاوته بالطبع منعت من ذلك . ولذلك افتقرت الطباع إلى كثرة الشوك لينوب لها عن غلظه .
وأما السمك البحري فينقسم على ضربين : لان منه ما يعرف باللجي لان تولده في لجج البحار
ووسطها ( 1 ) . ومنه ما يعرف بالشطي لان تولده في شط البحر وأطرافه . واللجي على ضربين : لان منه ما
يتولد في الطين والمواضع اللينة الرخوة ويسمى اللجي على الحقيقة ( 2 ) . والشطي على ضربين : لان
منه ما يتولد في الطين والحمأة ويأوي المواضع الرخوة والقريبة من مصب الأنهار ويسمى الشطي على
الحقيقة . ومنه ما يتولد في الرمل والحصى ويأوي المواضع الصلبة البعيدة من مصب الأنهار ويسمى
الصخري على المجاز . وإنما قلنا فيه الصخري على المجاز لأنه ، وإن كان يتولد في الرمل والحصى
والمواضع الصلبة ، فإن ماءه الذي يأوي فيه ليس هو على نهاية الصخري على الحقيقة ، ولا على صفائه
لقربه من شط البحر وطرفه . فتبين مما قلنا : أن السمك البحري له سهوكة وزهومة ، وأبعده من الغلظ
وأسرعه انهضاما وأقربه من تولد الدم المحمود القريب من المشاكلة من مزاج دم الانسان المرطوب ،
السمك البحري على الحقيقة ، إلا أنه أبعد انحدارا عن المعدة والأمعاء لقلة لزوجته وبعده من
اللعابية . ويدل على ذلك قلة شحمه ولذاذة طعمه وعذوبته وبعده من الحلاوة والسهوكة . ولذلك صار
أكثر ملاءمة لمزاج المغتذي به ، لان كل لذيذ ملائم ، وكل مخالف للذاذة فبعده عن الملاءمة بحسب
انحرافه عن اللذاذة . ولذلك صار هذا النوع من السمك ألطف أنواع السمك وأرخاها لحما وأسرعها
انهضاما وأفضلها لحفظ الصحة . وذلك لسرعة انحلاله من الأعضاء لقلة لزوجته واعتدال الدم المتولد
عنه وتوسطه بين الرقة والغلظ ، أعني أنه لا بالرقيق المائي ولا الغليظ الأرضي ، وإن كان أميل إلى الرقة
قليلا لغلبة الرطوبة على جملة السمك بالطبع .
فإن عارضنا معترض ‹ وقال › : فلم نسبته إلى التوسط والاعتدال وأنت تزعم أن الرطوبة أغلب
عليه بالطبع ؟ قلنا له : إن الاعتدال يضم في اسمه ثلاث مراتب : إما مرتبته المتوسطة على الاعتدال
والحقيقة مثل الدم المتولد عن الخبز المحكم الصنعة ، وإما مرتبة التوسط والاعتدال مع الانحراف والرقة
قليلا مثل مرتبة الدم المتولد عن السمك على الحقيقة ، وإما مرتبة التوسط والاعتدال مع انحرافه إلى
الغلظ قليلا مثل مرتبة الدم المتولد عن العجول الرضع والحولي من الضأن . وإن كان قد يقع بين مرتبة
التوسط والاعتدال على الحقيقة وبين هاتين الحاشيتين وسائط أيضا مثل مرتبة الدم المتولد عن الدراج
والفراريج ، ومرتبة الدم المتولد عن العجول الرضع ، لأنه وإن كان الدم المتولد عن الجدي الرضع أغلظ
هامش
( 1 ) في الأصل : ووسطه .
( 2 ) سقط هنا الضرب الثاني من اللجي ، وهو ، كما في المقالة الأولى من هذا الكتاب : ( ومنه ما يتولد في المواضع الصلبة
الصخرية الكثيرة الحجارة ، ويسمى السمك البحري ) .