فأطلع الوزير المنصور على ذلك ، فشكره وأحسن إليه ووصله ، ثمّ إنّه قطعه عن خدمته ، فقيل له في ذلك ، فقال : لا يسهل عليّ أن يخدمني وأراه بعين أنّه يمتنّ عليّ بأنّه أبقى عليّ روحي وفي الناس سعة لي وله .
ولمّا مات أقام الزيديّة ولده مقامه ، واختبروه في علمه ، فوجدوه ناقصا عن رتبة الإمامة ، فلم يخطبوا له بها . والزيديّة لا بدّ لهم من إمام فاطميّ ، فراسلوا أحمد بن الحسين المعروف بالموطي ، وهو من بني عمّ المنصور ، وكان مشهورا بكمال العلم والزهد ، وخطبوا له في قلعة ثلا من حصون اليمن ، وكان على غاية من الزهد والعبادة ، لا يسكن قلعة ولا يأوي إلّا البراري والجبال .
ومن شعر المنصور عبد اللّه المذكور يشير أنّ دعوته قد بلغت جيلان وجاوزت العراق ، وهو مقيم بمكانه في صعدة :
قل لبني العبّاس ما بالكم * لا تلحظونا لحظ رجحان
وقد تخطّتكم لنا دعوة * جالت على أقطار جيلان
ومن شعره أيضا :
قوّض خيامي عن ديار الهون * فلست ممّن يرتضي بالدون
واشدد على ظهر الهجين رحله * فقد شجاني غارب الهجين
وقرّبا منّي الحصان زلفة * فالحصن أولى بي من الحصون
إنّي على ريب زمان شرس * لا تخرج النخوة من عرنيني
جدّي رسول اللّه حقّا وأبي * ملقّب بالأنزع البطين
من دوحة كريمة ميمونة * غرّاء تؤتي الاكل كلّ حين
ومنه :
لا تحسبوا أنّ صنعا جلّ مأربتي * ولا ذمار إذا أشمتّ حسّادي
واذكر إذا شئت تشجيني وتطريبي * كرّ الجياد على أبواب بغداد
ومنه :
أفيقا فما شغلي بسعدى بني سعد * ولا طلل أضحى كحاشية البرد
ولا بغزال أغيد مهضم الحشا * رضاب ثناياه ألذّ من الشهد