باقتفاء هذه الحجج والبراهين وأهل بيت النبوّة التي أتى بها سيّد الأَوّلين والآخرين وخاتم الأَنبياء والمرسلين محمّد المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم اهتدوا إلى أسرار العلم واليقين ، وأدركوا ببصائرهم أنوار الكتاب المستبين وأخبار الأَولياء المعصومين ، وأطلقوا بضمائرهم على طرق التلفيق بين مقتضى الشرائع وموجبات العقول ، وتحقّقوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحقّ المعقول « 1 » .
تمتّع صدر المتألّهين بحرّية التفكير ورفض التقليد في كلّ ما يكتب ويحرّر ، فهو مع التزامه بالكتاب والسنّة وأن لا يخرج عنهما قيد شعرة لم يصدّه ذلك عن الحرية في التفكير وكسر قيود الجمود ، وهو يصرّح بذلك تارة ويلوّح أُخرى .
يقول : وأنشدك باللّه وملكوته وأهل رسالاته أن تترك عادة النفوس السفلية من الألف بما هو المشهور بين الجمهور ، والتوحّش عمّا لم تسمعه من المشايخ والآباء وإن كان مبرهناً عليه بالحجّة البيضاء ، فلا تكن ممّن ذمّهم اللّه على التقليد المحض في مواضع كثيرة من القرآن :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ) *
« 2 » .
فإيّاك أن تجعل الشريعة الإِلهية وحقائق الملّة الحقيقة مقصورة على ما سمعته من معلّميك وأشياخك منذ أوّل إسلامك ، فتجمد دائماً على عتبة بابك ومقامك غير مهاجر إلى ربِّك « 3 » .
وقال أيضاً في معرض كلامه عن ذمّ التقليد : وليعلم أنّ معرفة اللّه تعالى وعلم المعاد وعلم طريق الآخرة ، ليس المراد بها الاعتقاد الذي تلقّاه العامي أو الفقيه وراثة وتلقّفاً ، فإنّ المشعوف بالتقليد والمجمود على الصورة ، لم ينفتح له
هامش
( 1 ) شرح أُصول الكافي : 438 ، كتاب الحجّة ، الطبعة الحجرية .
( 2 ) الحج : 8 .
( 3 ) العرشية : 200 .