ورجل تبوأ هذه المنزلة العلمية الرفيعة ، ونال الحظوة لدى بعض خلفاء بني العباس ورجال دولتهم ، لا شك في أن يكون هدفا لحسد الحسّاد الذين ناوءوه وناصبوه العداء ، فلقي منهم ألوانا من الرزايا والمحن ، وبلغ بهم الأمر أن أوغروا عليه صدر الخليفة المتوكل على اللّه العباسي ، فأوقع به تلك النكبة الهائلة التي تناولتها كتب التراجم معتمدة في إيرادها على ما دوّنه حنين نفسه عن هذه الكارثة التي حلّت به .
وكان من أشدّ ما ابتلي به في أثناء ذلك ، ذهاب مكتبته العظيمة الشأن ، حتى قال عن نفسه « إن جميع ما قد كان يملكه من الكتب ، ذهب حتى لم يبق عنده منها ولا كتاب واحد . ذكر ذلك في مقالته في فهرست كتب جالينوس » « 1 » .
فقد وجه هذا الخليفة ، حين سخط على حنين بسبب امتهانه صورة للعذراء مريم ، « فحمل جميع ما كان لي - والكلام لحنين - من رحل وأثاث وكتب وما شاكل ذلك ، وأمر بنقض منازلي إلى الماء » « 2 » .
والواقع ، أن حنين بن إسحاق ، ما تألّم لشيء مما استصفاه الخليفة المتوكل من أملاكه ومقتنياته ، تألّمه لفقدان مكتبته وحرمانه منها . قال عن نفسه في رسالة بعث بها إلى علي بن يحيى المنجّم ، يذكر فيها ما نقله من كتب جالينوس . قال : « . . . بسبب فقدي جميع كتبي التي جمعتها كتابا كتابا ، في دهري كله منذ أقبلت أفهم ، من جميع ما جلته من البلدان ، ثم فقدتها كلها جملة » « 3 » .
فمكتبة حنين بن إسحاق ، قد تفرّق شملها في هذه الكائنة التي جاءت ضربة قاضية على العلم وكارثة عظمى حلّت بصاحبها العالم المحقّق الجليل ، وذلك من جرّاء قصة غريبة لفّقها عليها بعض حاسديه ، بشأن صورة للعذراء مريم ، وقد سبق الإلماع إليها ، وهي مشهورة في كتب التاريخ التي تناولت أخبار حنين .
هامش
( 1 ) عيون الأنباء . ( ص 262 ) .
( 2 ) عيون الأنباء . ( ص 268 ) .
( 3 ) العشر مقالات في العين : لحنين بن إسحاق . تحقيق ماكس مايرهوف ( القاهرة 1928 ؛ ص 26 ) .